رسوم أم رسوم؟

rect8824-1-0-3-8-2-2-2-9-4
إذا سألوك هل تفضل أن يُفرض دينار على كل خط خلوي أم يدفع من يريد استخدام “واتساب” دينارين، بماذا ستجيب؟ على الأغلب ستفكّر أن الخيار الثاني أفضل. يبيّن رئيس الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، عيسى المحاسنه، إن رفد الخزينة من قطاع الاتصالات لا يتوقف على هذين الحلين دون غيرهما، وحتى لو افترضنا ذلك فإن هناك مغالطة واضحة في طرح مثل هذا، إذ أن هذه المقارنة تعتبر غير مكتملة ولا تأخذ جميع تفاصيل الاقتراحين بعين الاعتبار.

تنوي وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فرض رسوم على تطبيقات المحادثة الصوتية (مثل سكايب وواتساب)، قيمتها ديناران شهريًا حسب الاقتراح المعلَن. تقول الوزارة بأن هذا الاشتراك “اختياري” وسيكون محصورًا على “خدمة مضافة” مثل المحادثات الصوتية. وتحاول الوزارة إقناع المواطنين بأن هذا الاقتراح أفضل بكثير من الاقتراح الآخر الذي يفرض دينارًا واحدًا على كل اشتراك خلوي، بطريقة “مجحفة” على كل صاحب خط خلوي في الأردن.

هناك خلل واضح في مثل هذا الطرح، أولاً في المصطلحات المستخدمة، إذ يفترض أن خدمة الصوت على الإنترنت هي “خدمة مضافة”، وهذا غير صحيح، لأن اشتراك أي أردني بالإنترنت يتضمن جميع الخدمات المتوفرة عليه، بما فيه الصوت وغيره. وبالاستناد على فكرة “الاشتراك الاختياري”، وهذا غير صحيح أيضًا، إذ أن مشترك الإنترنت كان قد سبق ودفع تكلفة استخدام الإنترنت، فيحق له هذا الاستخدام استخدامًا كاملًا شاملًا غير منقوص منه، وعلى شركات الاتصالات الالتزام بهذا المبدأ، وليس على المشترك أن يدفع “اشتراكا اختياريا” أو حتى فلسًا واحدًا إضافيًا للحصول على جزء من خدمة كان قد سبق وأن دفع لها كامل سعرها للحصول عليها شاملة.

وأما ما يقلقني أكثر من هذه المقارنة هو أنها تستند على مغالطات منطقية، الأولى هي أنها تحصر جميع الخيارات المتوفرة لرفد الخزينة من قطاع الاتصالات بخيارين يتيمين لا ثالث لهما، والمغالطة الثانية أنها تبسّط هذين الخيارين تبسيطا لا يشمل كل الآثار السلبية الناتجة عن كل منهما. وتسمى هذه المغالطة (المقارنة غير المكتملة أو Incomplete Comparison) وعادة ما تستخدم في التسويق لإقناع المستهلك بشراء منتج على حساب غيره، بالامتناع عن ذكر جميع إيجابيات المنتج المنافس.

فمثلا، في المقارنة التي ذكرت في وسائل الإعلام عدة نقاط أراها مهمة ولكن لم تذكر، على سبيل المثال:

  • إن الرسوم على تطبيقات المحادثة ستذهب (٥٠٪) من إيراداتها إلى شركات الاتصالات، وأما فرض دينار على كل خطوط ستكون إيراداتها لخزينة الدولة بالكامل.
  • إن الجهة الوحيدة المستفيدة من فرض الرسوم على تطبيقات المحادثة، بالإضافة إلى الحكومة، هي شركات الاتصالات التي ستزيد أرباحها عن طريق فرض اشتراك على خدمة كانت مجانية أصلاً. جميع الجهات والشركات الأخرى ستتضرر من هذا القرار.
  • هناك آلية واضحة لفرض دينار على كل خط خلوي (وهو أسهل إداريًا كما صرحت الوزارة)، وأما الآلية التي سيعمل عليها فرض الرسوم على التطبيقات غير واضحة. فهل ستُحجب التطبيقات بناء على “بروتوكول” أو اسم تطبيق أو ماذا؟ ماذا سيمنع أي شركة اتصالات من أن تحجب تطبيق “س” وتسمح بتطبيق “ص” بالعمل؟ ما الذي يمنع شركة الاتصالات من الاتفاق مع الشركة المنتجة لتطبيق ما، بدل مقابل مادي، وأن تسمح لها بالعمل على حساب الشركات الأخرى؟ ألا يضرّ ذلك بالمنافسة في السوق وتمثّل احتكارًا لشركة الاتصالات؟ وكمبرمج أو شركة تكنولوجيا معلومات، ما الذي يمنع شركة الاتصالات من حجب تطبيقي بحجة أنه يقدم “خدمة مضافة”؟ وكيف يمكنني أن أعترض وقتها على هذا القرار؟

سأسعى نحو مقارنة أكثر شمولية للاقتراحين، مع العلم أن كليَهما يحملان جوانب سلبية، ولكنني سأفترض أن هذين الاقتراحين هما الخياران المتاحان فقط (والحقيقة غير ذلك)، ولكن هذا ما تشد عليه الوزارة حاليًا، وبدلا من سردها نصًا، فضّلت أن تكون على شكل جدول، يمكنكم الاطلاع عليه في آخر المقالة.

أود أن أذكركم بأن الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح ترى أن اقتراح فرض الرسوم على تطبيقات المحادثة له آثار تقنية سلبية تفوق أي منافع اقتصادية متوقعة منه. يمكن الاطلاع على كامل رأي الجمعية (الذي تم تقديمه إلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات) على هذا الرابط.

 

فرض دينار على كل اشتراك خلوي فرض دينارين على استخدام تطبيقات المحادثة الصوتية
عدد المواطنين المتأثرين
(حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
٧,٥ مليون
(عدد الخطوط المدفوعة مسبقا المفعلة)
١,٥ – ٢ مليون
(على الرغم أن مستخدمي واتساب لوحدها في الأردن ٦ مليون ، هذا الرقم “تقديري” حول عدد الأشخاص الذين سيستخدمون تطبيقات المحادثة مستقبلا)
الطبقات الاجتماعية المتأثرة
(حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
جميع المواطنين، بما فيهم الطبقات الأكثر فقرا
(على الرغم من ذلك، يمكن للوزارة تطبيق هذا الاقتراح على المستخدمين الأكثر استهلاكًا وحدهم، وبالتالي عدم المساس بالطبقات الأفقر).
المواطنون الذين يستخدمون تطبيقات المحادثة الصوتية
(تقول الوزارة أنهم -عادةً- من الطبقات الأغنى، على الرغم أن معظم مستخدمي هذه التطبيقات يستخدمونها بسبب التكلفة العالية للمكالمات الصوتية).
الإيرادات المتوقعة
(تقديرا)
٩٠ مليون دينار
(الخطوط المدفوعة مسبقا والفعالة فقط).
٤٠ مليون دينار
(على اعتبار أن مليونا ونصف المليون سيدفع مقابل الخدمة، تحصل الحكومة على نصف هذا المبلغ عن طريق المشاركة بالعوائد).
الجهات التي ستحصل على الإيرادات ١٠٠٪ إلى خزينة الدولة ٥٠٪ إلى خزينة الدولة
٥٠٪ إلى شركات الاتصالات
الجهات المستفيدة
(غير الحكومة)
لا توجد شركات الاتصالات
(بالإضافة إلى الربح المادي المباشر، ستتمكن من تخفيض نفقاتها مع حجب خدمات الصوت، ويمكنها توقيع اتفاقيات حصرية مع بعض التطبيقات، مثلا بفرض اشتراك على واتساب والسماح لسكايب بالعمل بدل اتفاقية وقعت معها).
الجهات المتضررة
(غير الحكومة)
شركات الاتصالات
(ستقل أرباحها بسبب عزوف المستخدمين عن استخدام خدمات الاتصالات خاصة المكالمات الصوتية التقليدية نتيجة زيادة تكلفتها)
قطاع تكنولوجيا المعلومات بأكمله، باستثناء شركات الاتصالات
(سيحدث إخلالًا بالمنافسة على الإنترنت، بالسماح لبعض التطبيقات وحجب أخرى من قبل شركات الاتصالات).
الجهات المتضررة
(من غير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
لا توجد
(على حد قول الوزارة، معظم الشركات تستخدم اشتراكات “فواتير” ولا تتأثر بهذا الاقتراح، وإنما باقتراح آخر)
جميع الشركات والمؤسسات التي تستخدم تطبيقات المحادثة الصوتية في أعمالها
الآثار على البيئة الاستثمارية وتطور قطاع تكنولوجيا المعلومات زيادة تكلفة الاتصالات تقلل من أعداد مستخدميها. زيادة تكلفة الاتصالات تقلل من أعداد المستخدمين لها.

الإضرار بالتنافسية على الإنترنت سيشكل عاملا طاردًا للاستثمارات

وضع عوائق أمام شركات تكنولوجيا المعلومات والمبرمجين الذين يطورون خدمات على الإنترنت، إذ أصبحوا معرضين لقرارات شركات الاتصالات بفرض رسوم أو الحجب.

وضع رسوم على خدمات مجانية وعالمية مثل واتساب وفيسبوك يضرّ بسمعة الأردن الاستثمارية.

6 Words

رأينا: الآثار التقنية الناتجة عن فرض الرسوم على تطبيقات المحادثة تتجاوز المصالح المالية المتوقعة منه

path359701
شارك وفد من الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح في الاجتماع الذي أقيم مع معالي وزيرة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أمس السبت، حيث نوقشت عدة اقتراحات لرفد الخزينة. تتفهم الجمعية الحاجة إلى إيجاد حلول عاجلة لمواجهة  التحديات الاقتصادية الحالية. إلا أننا -كجمعية تقنية- أردنا تسليط الضوء على أبرز الآثار السلبية التكنولوجية المتعلقة باقتراح فرض الرسوم على خدمات المحادثة الصوتية.

لطالما كانت خدمة الإنترنت في الأردن خدمة مفتوحة تتيح الاتصال إلى العالم أجمع دون حدود، مما سمح للأردنيين بالاتصال بالعالم والإبداع وساهمت شبكة الإنترنت بتطوير بيئة عمل توافق التطور التقني في العالم. ولكننا نأسف كجمعية أن يكون أحد الاقتراحات المقدمة لرفد الخزينة هو إغلاق أجزاء من الشبكة كانت متاحة دائما للمستخدمين ووضع رسوم منفصلة عليها من أثرها كبح عجلة التطور التكنولوجي في المملكة والتي قد تسمح للمشغلين بتجزئة خدمات البيانات المقدمة مستقبلا لتشمل خدمات عرض الفيديو أو غيرها.

ونشير أننا كجمعية سبق وقد اعترضنا عندما قام بعض مشغلي الاتصالات بحجب خدمات الاتصال لأول مرة واعتبرناه انتهاكا واضحا وصريحا لمبدأ “حيادية الشبكة” وروح الانفتاح والتنافس الحر الذي بنيت عليه شبكة الانترنت، وأيّدنا رأي هيئة تنظيم قطاع الاتصالات آنذاك بهذا الخصوص عندما نشرت بتاريخ (١٦-٥-٢٠١٦) بيانا حول عدم فرض أي حجب أو رسوم على خدمات المكالمات الصوتية. بناء على ذلك، دعونا وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى عدم اتخاذ قرارات من شأنها تجزئة الشبكة والتي تعارض المبادئ التي بنيت عليها كمبدأ حيادية الشبكة.

على صعيد آخر، إن الحديث عن حجب تطبيقات الاتصال على الهاتف النقال غير واضح من الناحية التقنية. فمن وجهة نظر الشبكة، خدمة الاتصال هي بيانات يتم نقلها لا تختلف عن البيانات الأخرى، كخدمات المواقع الإلكترونية والبريد الإلكتروني وجميع أنواع الوسائط المتعددة، وان كان تنظيم هذه الخدمات سيتم على مستوى نوع البروتوكول، فلا بد أن ندرك أن هذه التطبيقات تستخدم عددًا غير محصور من البروتوكولات المختلفة عن بعضها البعض، من الصعب ومكلف للغاية حجبها جميعا من دون التأثير على جودة الخدمة للمستهلك، خصوصا لتلك التطبيقات التي تعتمد على تكنولوجيا Peer to Peer أو HTTP.

كذلك، بعض هذه الخدمات مشفرة من المستخدم إلى المستخدم أو من مقدم الخدمة إلى المستخدم، مما يجعل حجبها صعب بدون تعرض خصوصية المستخدم في الخطر. ما نراه أن تطبيق هذه السياسة ستُعرض “صحة الشبكة” (Network Health) في الأردن للخطر، وقد يعاني المستخدمون من تبعات الحجب غير المقصود أو الخاطئ بناء على محاولات شركات الاتصالات في التحكم بتطبيقات الاتصالات المتعددة والمتنوعة كما ذكرنا سابقا.

لقد استمعت الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح إلى الاقتراحات المتعلقة بقطاع الاتصالات والمقدمة لرفد الخزينة، سواء من جهة الوزارة أو من جهات أخرى، وتتلخص فيما يلي:

  1. إضافة رسوم على خطوط الاشتراكات المدفوعة مسبقا (Prepaid). ويمكن -في هذا السياق- فرض الرسوم على المستخدمين الأكثر استهلاكا عند إعادة الشحن مثلا، دون المساس بالمستخدمين قليلي الاستهلاك.
  2. إضافة رسوم على خطوط الاشتراكات المدفوعة آجلاً (الفواتير). وهم يمثلون -حسب ما طرح في اجتماعنا مع معالي الوزيرة- الطبقات الأغنى والشركات، والتي قد تتحمل رسوما أعلى والتي قد تتجاوز دينارا واحدا.
  3. إضافة رسوم على الاشتراكات الجديدة (Welcome Kit).
  4. إضافة رسوم على خدمات معينة تقدم على الإنترنت (مثل، فايبر وواتساب).

على الرغم من الآثار الناتجة عن هذه الاقتراحات، إلا أننا من الناحية التقنية وآخذين بعين الاعتبار المشاكل الاقتصادية (على المواطن أولا، وعلى قطاع تكنولوجيا المعلومات بأكمله) التي قد تنتج عن الاقتراح الرابع، فإننا نرى أنه من الأمثل عدم تطبيق أي رسوم أو اشتراك على خدمات معينة على الإنترنت، ونقترح على وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بإلغاء هذا الاقتراح، والاكتفاء بالاقتراحات الأخرى مع عدم المساس بالطبقات الأكثر فقرا.

 

الشبكة لنا جميعا، وليست ملكا لكم

ungafb2
هل يحق للقنوات التلفزيونية وضع رسوم على “يوتيوب” لأنها سببت خسائر لها؟ يشدد الباحث في الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، براء حسنية، على أن الإنترنت لم يعد سلعة كمالية، بل ضرورة ماسة لكل مواطن. فمنذ نشأة الإنترنت يجني الناس فوائد هذه الشبكة، وعلى شركات الاتصالات أن تعمل لمستقبل هذه الشبكة بدلا من أن تعارض التقدم التكنولوجي عليها لتعوّض خسائرها.

 

قبل خمسة وأربعين عاماً بدأ الإنترنت. في بدايته المُتواضعة كشبكة لنقل الملفات المُتعلقة بأبحاث علمية، حينها لم يكن يتوقع ممن كان يستخدمها أنها سوف تنتشر لتُصبح شبكة تربط أقطاب العالم ببعضها البعض. بقيت كذلك حتى عام 1985 عندما قام العالم البريطاني تيم بيرنرز لي بتطوير مشروع أُطلق عليه اسم الشبكة العالمية. ذلك المشروع كان نقطة تحول مفصلية في تاريخ الإنترنت، إذ تحولت الشبكة من شبكة لإرسال البيانات من جهاز لآخر فقط إلى شبكة تنتقل عبرها الأفكار والخدمات بأشكالها المُختلفة… بيانات في كُل مجالات الحياة.

في العقد الأخير أصبح العالم يعتمد على شبكة الإنترنت بشكل هائل، فاليوم يستفيد الناس من الشبكة لإتمام أعمالهم المُختلفة من تصفح وبحث عن المعلومات إلى تواصل وإرسال مقاطع الفيديو والصوت للأصدقاء والعائلة. اليوم، نتمتع من الشبكة في كُل شيء تقريباً، ولا تكفي مجلدات من الكتب لنسطر فيها كل استخدامات الإنترنت، باختلاف الأشخاص وأعمالهم واماكنهم واهتماماتهم  وبقضاء الناس مُعظم ساعات يومهم على هذه الشبكة، يتنقلون من صفحة لأُخرى ومن تطبيق إلى آخر بلا حدود أو قيود تحد من ذلك.

هذا الاهتمام الكبير بشبكة الإنترنت والانتشار الواسع لها بين الناس جعلها محط أنظار العديد من الشركات التي حاولت أن تحتكر الإنترنت لنفسها، خاصة شركات الاتصالات، التي تُحاول جاهدة الحفاظ على العائد المادي لها من المكالمات الهاتفية والمُراسلات النصية. إذ سعت إلى حجب بعض خدمات المُراسلة بالصوت والصورة. هذا العبث المرفوض له أثر كبير على حيادية الشبكة، إذ أن هيكلية هذه الشبكة تطورت بهذا الشكل بفضل حرية تطوير الخدمات والتطبيقات المختلفة عليها، بلا قيود مادية أو فكرية، ولو أن القيود فُرضت عليها يوماً ستقلل نفعها وتحد من إمكانياتها.

الأمر مزعج فعلًا؛ أن يقوم مُستخدم الإنترنت بدفع قيمة تزويده بالاتصال بشبكة الإنترنت ومن ثم يقوم بدفع قيمة خدمة مجانية متوفرة عبر الشبكة، وكأن شركة الإتصالات لم تكتفِ بالحصول على ثمن الإنترنت بل تُريد أيضاً أن يتم فرض رسوم على الخدمات المُوفرة من خلالها.

إن هذا الأمر له خطورة كبيرة وتؤثّر على المدى البعيد على شكل الشبكة الذي نُريده كحيز يعبّر فيها الإنسان عن رأيه بلا خوف أو قيود تمنعه من ذلك بالطريقة التي يشاء. تخيل مثلاً لو أن شركة قامت بفرض رسوم بقيمة 15 قرشًا على كل عملية بحث يقوم بها المستخدم على محرّك البحث جوجل، مع العلم أن جوجل غيّر شكل العديد من الخدمات والأعمال، أو خمسة قروش عن كل فيديو يقوم المستخدم بمشاهدته على موقع يوتيوب، بحُجة أن يوتيوب أثر سلبا على مشاهدة التلفاز وساهم في خسارات ضخمة لشركات الإنتاج التقليدية التي لم تواكب تطور الإنترنت. ولو أننا أردنا أن نفرض رسوماً على الخدمات التي تأثرت عائداتها بشبكة الإنترنت لكانت هُناك رسوم على كل مواقع الإنترنت تقريباً! الأمر مُخيف ومُضحك ولكنه بكُل تأكيد أمر غير مقبول.

أما بالنسبة لحل مُشكلة تقلص أرباح شركات الاتصالات، فإن انخفاض الأرباح لم يكن سببه التطور التكنولوجي في المقام الأول، بل كان بسبب الاهمال التكنولوجي لتلك الشركات وقصر النظر لديها. إذ أنها لم تُعطِ الأمر أهمية عندما بدأت هذه الخدمات تظهر على الشبكة، وقد تكون بعض الشركات قد سارعت في فهم هذه الموجة والبدء في برامج تأهيل الرياديين ودعمهم على أمل الحصول على تطبيق يُنافس تِلك التطبيقات في الأسواق، وهي أسواق تتحمل المزيد من الابتكارات والإبداعات في المجال التقني.

قطاع الأخبار مثلاً تأثر بالإنترنت إلى درجة أن صُحفًا عالمية لم تعد تحتاج إلى الاستمرار في طِباعة نسختها الورقية، في توجه منها لمواكبة ما يحتاجه العالم ويتطلبه المستقبل. وقد تكون هُناك حلول عملية أخرى لتخفيض نفقات تلك الشركات من حيث تطوير البنية التحتية لها والعمل على مواكبة التطورات بأسرع وقت مُمكن، بالإضافة إلى الاهتمام بشكل أكبر بمجال البحث العلمي والبحث والتطوير، واستحداث أقسام خاصة لها في داخل الشركات لكشف متطلبات المُستقبل ومُتابعة التقنيات التي يزداد عددها بشكل ضخم يوما بعد يوم، لتتسنى لتلك الشركات البقاء في المقدمة ومواكبة العصر.

في النهاية، أشدد أنه ليس من العدل أن تُعامل شركات الإتصالات المُستخدمين مُعاملة “صاحب الكُرة”، وتُحملهم بذلك المزيد من الأعباء المادية. فالأردن يحتل المرتبة الـ35 في قائمة الدُول الأعلى ثمنًا للإنترنت. وشبكة الإنترنت اليومَ لم تعد رفاهية، بل أصبحت حاجة ملحة لدى كُل إنسان، يستخدمها طوال يومه بلا انقطاع. فكيف يُحرم الإنسان من حقه في طلب العلم أو التواصل مع الآخرين بحُجة أن أرباح شركات الاتصالات لم تُعجب أصحاب رؤوس الأموال فيها. أيتها الشركات، اعملوا من أجل المُستقبل ولا تجعلوا من أنفسكم عقبة في وجه التقدم والتطور.

1 Words

ضراﺋب على فيس بوك… لم لا؟

هل يتحمل قطاع الاتصالات المزيد من الضرائب التي سيدفعها المواطنون وستؤثر سلباً على نمط استهلاكهم؟ يقترح الناشط مثنى غرايبة ما بات يسمى بـ”ضريبة جوجل” أو Google Tax وهي ضريبة تدفعها شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية التي تمارس أعمالا تجارية داخل أراضي الدولة. فبينما تحصل الحكومة على رسوم مقابل الإعلان على حائط منزلك، فهي لا تحصل على أي مبلغ عند القيام بحملات إعلانية على الفيسبوك أو غيرها.

في أثناء جلسة نقاش الموازنة العامة تم طرح فكرة فرض ضريبة دينار على كل خط خلوي في الأردن لتوفير جزء من ال 450 مليون المطلوبة لتغطية عجز الموازنة، عدا أن الكثير من الخبراء يؤكدون فكرة أن فرض أي ضرائب جديدة يؤثر سلبياً على نمو الاقتصاد في المبدأ، وعدا أن هذا الحل فيه استسهال واختزال ودون أن ينظر لطبيعة السوق وسلوك المستهلكين لخدمات الاتصالات والانترنت سيكون من المفيد النظر إلى بعض تفاصيل قطاع الاتصالات الذي دوماً يتم استسهال اللجوء إليه لتحصيل الضرائب والتي يتم تحصيلها بشكل أو بآخر من المواطنين.

حسب التقرير السنوي الصادر عن جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات “إنتاج” بالتعاون مع وزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات للعام 2015 نجد أن دخل قطاع الاتصالات قد نقص بما يقارب ال 19% في العام 2015 مقارنة بالعام 2012 بمقدار 316 مليون دولار. وهذا الانخفاض حصل بالرغم من زيادة قاعدة المشتركين المنتفعة من الأنترنت بمقدار 23.8% وزيادة قاعدة المشتركين بخدمات الهاتف الخلوي بمقدار 3.57% مما يعني أن نمو السوق لم يؤدي إلى زيادة المردود المادي للاستثمار وبالتالي حجم الضرائب المستوفاة من القطاع. ولعلَه من الضروري ملاحظة أن الانخفاض هذا ربما أحد أسبابه هو مضاعفة الضريبة الخاصة على الإتصالات من 12% لتصبح 24% في العام 2013 بالإضافة للتنافس الذي هو شرط ضروري لتوفير خدمات بأسعار مناسبة للمواطنين والذي أدّى أن تكون أسعار الأتصالات في الأردن من الأكثر تنافسية في المنطقة.
فوق كل ذلك من الضروري الانتباه أن الاستثمار في قطاع الاتصالات قد زاد من 139.8 مليون دولار في العام 2011 ليبلغ 406.7 مليون دولار في العام 2015 مما يعني أن هناك تراجع في الدخل وزيادة في النفقات التي بالتالي تقلل الأرباح للشركات، هذا التراجع أثّر سلبيا على التوظيف في القطاع الذي يوفر وظائف ذات دخل جيّد تساهم في نمو الاقتصاد، فإذا نظرنا للأرقام سنجد أن التوظيف في قطاع الاتصالات قد انخفض بمقدار 28% بين العام 2009 والعام 2015.

بعد كل ما سبق، يصبح السؤال واجباً إن كان فعلاً قطاع الاتصالات ما زال قدراً على تحمّل ضرائب جديدة سيدفعها المواطنون وستؤثر سلباً على نمط استهلاكهم وبالتالي تخفض مبيعات قطاع الاتصالات والضرائب التي يتم تحصيلها منه وخصوصاً أن الحكومة تحصل 2.13 دينار لكل دينار يربحه المشغلون.

أحد البدائل الممكنة هو أن تفرض الضرائب على من يستفيدون من خدمات الإنترنت التي تستثمر بها الشركات ويدفع ثمنها المواطنون بدلاً من فرضها على المواطنين أنفسهم وعلى شركات توّظف آلاف الأردنيين. فعلى سبيل المثال تستفيد شركتا فيسبوك وجوجل من توّفر خدمات الأنترنت في الأردن وتمارسان نشاطاً تجاريا تجاه المواطنين الأردنيين على الأراضي الأردنية من خلال الحملات الإعلانية الكبيرة التي تستهدف الأردنيين ويدفع ثمنها مستثمرون أردنيون دون أن تدفع جوجل أو الفيس بوك أي ضريبة لممارستها هذا النشاط التجاري وتحصيل الأرباح من الأردنيين، بينما لا تستطيع الإعلان عن أي سلعة على حائط منزلك دون دفع الرسوم اللازمة لذلك في الأردن. للأسف الأرقام التي تحصل عليها فيس بوك وغيرها في الأردن غير معلنة ولكنها بالتأكيد يمكن أن تشكل مصدراً جيداً للتحصيل الضريبي دون التأثير على المواطنين. ومن المفيد التنويه أن فرض الضرائب على شركات كفيس بوك وجوجل ليس خيالاً ومستحيلاً فهناك على سبيل المثال جدل كبير حول الموضوع في بريطانيا حيث التزمت جوجل بدفع 130 مليون جنيه استرليني في 2016 كضرائب للحكومة البريطانية.

من الضروري أن نضع دوماً في بالنا جميع الآثار المترتبة على إجراء ضريبي يؤثر على الناس وسلوكهم لا أن تكون سهولة التحصيل هي المعيار الوحيد لاتخاذ القرار، اليوم أمامنا الخيار بدلاً من زيادة الضرائب على المستثمرين والمواطنين يمكننا أن نحصل على ضرائب ممن يستفيدون مجاناً مما يدفعه الأردنيون، هذا دون أن ننسى الشركات التي تستفيد من الأنترنت كأوبر وكريم التي يسهل التحصيل منها في حال تم ترخيصها بسرعة وAIRBNB وشركات كثيرة يصعب حصرها هنا إن قمنا بالتعديلات المناسبة سنتمكن من توسيع القاعدة الضريبية دون أن نرهق المواطنين بذلك.

هذه المقالة نشرت على موقع خبرني، وأعيد نشرها هنا بموافقة مؤلفها.

الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح تحذر من فرض رسوم على تطبيقات المحادثة

عارضت الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح توجه الحكومة لفرض رسوم على تطبيقات المحادثة عبر الإنترنت، ودعت إلى احترام مصالح مستخدمي الإنترنت في الأردن بعيدا عن المصالح الضيقة لشركات الاتصالات. وعبرت الجمعية عن خوفها من أن تشكل هذه الخطوة عائقا أمام التقدم التكنولوجي في المملكة، بسبب أثرها البالغ في نفاذ المواطنين إلى خدمات الأجهزة الخلوية وعدم احترام مبدأ حيادية الإنترنت في سابقة هي الأولى من نوعها.

وقال رئيس الجمعية عيسى المحاسنه “أن فرض رسوم على تطبيقات المحادثة مثل فيسبوك وواتس أب وفايبر لا يمكن في جميع الأحوال أن تعتبر حلا اقتصاديا لعجز الموازنة، بل هو توجه يصب في مصلحة شركات الاتصالات ومزودي خدمة الإنترنت، التي عبرت سابقا عن رغبتها بحجب هذه الخدمات المجانية لزيادة أرباحها”.

وأضاف المحاسنه أن الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح تعمل منذ تأسيسها على احترام حقوق مستخدمي الإنترنت ومصالحهم، ودعا صانعي القرار إلى “تعزيز فرص المواطنين في اختياراتهم الإلكترونية بدلا من فرض رسوم عليهم مما سيقلل من استخدامهم للتكنولوجيا”. واستغرب “أن في الوقت الذي تعمل فيه الدول على ضمان حق النفاذ إلى الإنترنت، وهو حق من حقوق المواطنين، وتشجع الحكومات مواطنيها على تبني التقدم التكنولوجي والتوسع في استخدام التطبيقات والتقنيات المعاصرة، تتوجه حكومتنا في الاتجاه المعاكس تماما بفرض قيود إضافية على هذه التطبيقات”.

ورد رئيس لجنة الحقوق الرقمية في الجمعية، الخبير التكنولوجي محمد التراكية، على التصريحات حول أن الرسوم لن تمس خدمات المحادثات المكتوبة وذوي الدخل المحدود، قائلا أن “مع افتراض حسن النية من جهة الحكومة والهيئة، هناك تحديات تقنية صعبة يخلقها فرض هذا النوع من الرسوم، فالعديد من تطبيقات المحادثة لدى المستخدم الأردني تحتوي أيضا على خدمات اتصال لا يمكن تجزئتها، كما أنها مشفرة لحماية خصوصية المستخدم”. وأضاف أن “فرض رسوم على الصوت والصورة فقط ليس طرحا واقعيا، ويتنافى مع مبادئ خصوصية الاتصالات والأمن الرقمي”.

وعبرت الجمعية عن خوفها الشديد من هذا القرار في ضمان مبدأ حيادية الإنترنت في الأردن، أي ألا يعطى لتطبيق أو لشركة ما امتيازات على غيرها أو أن تفرض عوائق عليها على شبكة الإنترنت، إذ ترى الجمعية أن الإنترنت شبكة مفتوحة للجميع ويجب أن تقدم الخدمات عليها على السواء، ضمن جو من التنافسية ودون تدخل شركات الاتصالات، وعلى الحكومة أن تحترم مبدأ حيادية الإنترنت لضمان حقوق المستخدمين بشكل خاص ولضمان التنافسية وتكافوء الفرص وتشجيع الابتكار في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

0 Words

لماذا يجبرني مزود الإنترنت على زيارة استطلاع روسيا اليوم؟

rect20627-0

قبل أيام أرسلت شركة زين رسالة نصية للعديد من المُشتركين لديها تروّج فيها التصويت لمسابقة “شخصية العام” التي تنظّمها وكالة روسيا اليوم الإخبارية، وقتها لم أُعِر الموضوع اهتماما بالرُغم أنني كُنت قد طلبت منهم عدم إرسال أي نوع من الرسائل الدعائية، إلا أنه يبدو أنهم عاملوا تِلك الرسالة مُعاملة رسائل الخدمة الاعتيادية بين الشركة وعملائها.

أما في مساء يوم الأربعاء السابق وأنا أُحاول الدخول الى موقع فيسبوك من جهازي الخلوي، تفاجأتُ من أن المُتصفح أعاد توجيه الصفحة إلى صفحة التصويت الخاصة باستطلاع رأي روسيا اليوم. نفس الاستطلاع الذي كانت تُروج له شركة زين قبل عدة أيام، كالعادة، لم أهتم بالأمر وظننت أن شيئاً ما قام بحفظ تِلك الصفحة. لم أتخيل وقتها أن شركة الاتصالات قد تكون لها يد في موضوع كهذا، عندما حاولت الدخول ثانية إلى موقع فيسبوك لم أُواجه تِلك المُشكلة.

بعدها بدقائق قرأت تغريدة ﻷحد الأصدقاء يعبر عن استيائه من نفس الموضوع، يُحاول الدخول إلى موقع آخر ويُعاد توجيه الصفحة إلى صفحة التصويت تلك على موقع روسيا اليوم. فتبين لي وقتها أن العديد من مستخدمي إنترنت زين يتعرضون لنفس المشكلة.

أزعجني الأمر كثيراً، فتسألتُ كيف لشركة اتصالات ومُزود إنترنت ضخم كشركة زين أن تقوم بمثل هذه التصرفات؟ تصرف وجدتُ فيه انتهاكاً واضحاً لحقوق مُشتركين لا يتوقعون إلا أن يحصلوا على خدمة ذات جودة عالية مقابل ما يدفعونه من أموال، لا أن تجبرهم شركات الاتصالات على تصفح موقع معين.

مثل هذا التصرف هو عمل -برأيي- لا يُمكن تبريره من قِبل مزود إنترنت. إعادة توجيه المُستخدمين إلى مواقع أُخرى غير مطلوبة هو أمر غير أخلاقي في الدرجة الأولى، فكيف يحق لإحدى الشركات أن تعامل زيائنها بالفضيلة وتتحكم بما عليهم بمُشاهدته أو تصفحه؟

بالإضافة إلى ذلك، قد يُعرض هذا الفعل المُستخدمين إلى مشكلات مُحتملة كتسريب بياناتهم الشخصية أو بيانات أجهزتهم، وبنفس الآلية، من المُمكن أن تقوم الشركة بإعادة توجيه المُستخدمين إلى موقع من مواقع التصّيد، الموقع الذي يظهر شكله كالموقع المطلوب إلا أن عنوان الموقع يختلف عن عنوان الموقع الأصلي الذي قام المُستخدم بطلبه، وحين يقوم المُستخدم بإدخال اسم المُستخدم وكلمة المرور تُرسل تِلك المعلومات إلى قواعد بيانات أحد القراصنة التي قد يستغل هذه المعلومات لإبتزاز المصطادين أو تخريب أعمالهم.

تقوم شركات الاتصالات باستخدام العديد من المُناسبات الوطنية دعايةً لها، ولكن هذه قد تكون المرة الأولى تروج فيه شركة لاستطلاع رأي، وتدعو عملاءها إلى تصويت لا أجد فيه أي جدوى. ما الفائدة التي سنحصل عليها من استطلاع لا معنى له يقوم به واحد من آلاف المواقع الإخبارية في العالم؟

من الطبيعي أن تبحث الشركات عن أكبر عائد مادي من عملائها، ولكن هناك فرقاً بين توظيف الرموز الوطنية في حملات أقرب إلى حملات إعلانية وبين المسؤولية الاجتماعية وتقديم خدمة للعامة نتوقعها من شركات الاتصالات. ألم يأت الوقت لتنتهي هذه السياسات الترويجية العمياء؟

2 Words

رأينا: نرحب بقرار الأمم المتحدة بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي

unga
سلّط القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الحق في الخصوصية الضوءَ على جوانب عدة فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية من قبل الشركات والدول. ترحب الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح هذا القرار وتدعو أصحاب المصلحة في الأردن إلى العمل بمضامينه.

ترحّب الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين القرار بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي، وذلك بالإجماع وبرعاية ستين دولة.

على الرغم أن قرارات الجمعية العامة الصادرة بهذا الشكل ليست ملزمة على الدول الأعضاء، إلّا أن هذا القرار سيلعب دورًا مهمًّا في بناء توافق أممي حول الحق في الخصوصية وتبعاتها في العصر الرقمي، وسيكون له الفضل في تكوين أطر مبنية على الحقوق التي نصت عليها الصكوك الدولية الأساسية لحقوق الإنسان (الملزمة) مع تقديم تفسير لها.

في موضوع الخصوصية، قامت الجمعية العامة باعتماد ثلاث قرارات، كان آخرها هذا القرار الذي تناول عدة جوانب، كان أبرزها التركيز على دور القطاع الخاص في حماية الخصوصية في وقت أصبح من السهل جمع البيانات الشخصية وتداولها وتخزينها ومعالجتها بضخامة، وفي وقت أصبحت الرقابة وجمع المعلومات –سواء من الحكومات أو من القطاع الخاص– تشكّل خطرًا جسيمًا على خصوصية الأفراد حول العالم، خاصةً في المجتمعات الرقمية سريعة النمو مثل الأردن.

وفي وقت تجري فيه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات استشارةً عامة حول قانون مقترح لحماية البيانات الشخصية، يأتي هذا القرار الأممي ليؤكد على العديد من الجوانب التي تستدعي أخذها بعين الاعتبار من قبل حكومتنا في سياق أي تشريع ذي صلة بالخصوصية.

فقد أعربت الجمعية العامة عن قلقها من بيع البيانات الشخصية التابعة للأفراد من دون موافقتهم الصريحة على ذلك، وشددت على أن جَمع البيانات الشخصية بشكل غير قانوني وتعسفي يعتبر انتهاكًا للحق في الخصوصية، وطالبت من الدول احترام التزاماتها الدولية عند جمع أو اعتراض البيانات الشخصية، حتى عند طلب الإفصاح عن تلك المعلومات من أطراف ثالثة، ولو جُمعت هذه المعلومات تحت شواغل أمنية.

وأكد القرار أهمية تطوير التدابير الوقائية ووسائل الانتصاف المتعلقة بانتهاكات الحق في الخصوصية التي قد تقع على مختلف الأفراد، ولكنه شدّد –بشكل صريح– على تلك الحالات التي تؤثّر على النساء، بالإضافة إلى الأطفال وضعاف الحال والمهمَّشين. وفي نفس السياق، أكدت الجمعية العامة في هذا القرار على تشجيع التعليم واكتساب المعرفة الرقمية والمهارات التقنية اللازمة لحماية الخصوصية من قبل الناس جميعًا. وأهابت بالدول ألّا تلِزم الشركات بتدابير تمسّ حق الخصوصية تعسّفيًا.

وعلى صعيد الشركات أيضًا، أهابت الجمعية العامة بها الالتزام بمسؤوليتها تجاه حقوق الإنسان، وفقًا للمبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان –أو ما يُعرف بـ«الحماية، والاحترام، والانتصاف»– والتي تدعو في طياتها إلى احترام الحق في الخصوصية في العصر الرقمي من قبل الشركات، وأن تبلغ هذه الشركات مستخدميها بكل ما يمكن أن يمسّ حقهم في الخصوصية، وأن تتبع سياسات الشفافية كلّما أمكن ذلك. وشجع القرار الشركات على العمل من أجل اتصالات آمنة تحمي مستخدميها من التعسف والتدخل غير المشروع في بياناتهم، وإن تم ذلك من خلال حلول تقنية.

ونرحّب أيضا بتأكيد القرار على أهمية حريــة تلقي المعلومات وطلبها ونقلها للغير، بغية الوصول الحر إلى المعلومات وتحقيق المشاركة الديمقراطية. وبالرغم أن الأردن كان أول الدول العربية التي أقرت قانون ضمان حق الحصول على المعلومة، نرى أن المحددات والضوابط والعقوبات التي نص عليها القانون أفرغته من فعاليته، فكاد يشكل عائقًا أمام الوصول إلى المعلومة بدلًا من سند له.

نودّ أن نضم صوتنا لهذا القرار الذي دعا جميع الدول إلى تعديل قوانينها لتتماشى مع المعايير الدولية في هذا المجال، ونَحثُّ كل أصحاب المصلحة في الأردن على الأخذ بهذا القرار لحماية وصون الحق في الخصوصية ممارسةً وتنظيمًا وتشريعًا.

0 Words

رأينا – «كود الشعب»: الحكومة ملزمة بنشر البرمجيات مفتوحة المصدر

rect24680
قامت الحكومة الأميركية قبل أيام بإطلاق code.gov، وهو مستودع مفتوح المصدر للبرمجيات الحكومية للولايات المتحدة. كيف يمكن أن نجعل الحكومة الأردنية تخطو نفس الخطوة؟

”كود الشعب: إطلاق الطاقات الهائلة للبرمجيات الحكومية“، هكذا يرحّب موقع code.gov الإلكتروني زواره المبرمجين. إنه مَجمع البرمجيات مفتوحة المصدر التي أنشأتها مؤسسات الحكومة الفيدرالية، تظهر فيه المشاريع مصنفّة بلغة البرمجة وموصولة بمستودعاتها على Github

image24267

ليس غريبًا أن نرى الحكومة الأميركية تنشر البرمجيات بتراخيص حرة، فهي تفعل ذلك منذ عقود. ولكن ما يميّز هذا الموقع هو إطلاقه نتيجة تعليمات حكومية باسم «سياسة الكود المصدري الفيدرالي» وهي سياسة أطلقها البيت الأبيض في شهر تموز ٢٠١٦ لـ”تحقيق الكفاءة والشفافية والابتكار من خلال برمجيات المصدر المفتوح والبرمجيات القابلة لإعادة الاستخدام“. تؤكد هذه السياسة المسؤولية الحكومية تجاه مواطنيها في مجال البرمجيات، فحسب الوثيقة، ”تلتزم الحكومة في تحسين عمليات شراء البرمجيات وبنائها وتوزيعها، لجعل تكاليفها أكثر جدوىً، وأهدافها أكثر فعاليةً، ولارتقاء تجربة المواطنين مع البرامج الحكومية“.

ما تنصّ عليه السياسة أمورٌ بسيطةٌ ولكنها ثوريّة؛ فهي تُجبر المؤسسات الحكومية على أن تضع اعتبارات معينة قبل الحصول على برمجيات طُوّرت خصيصًا لها، وتضمن للحكومة الحق في إعادة استخدام هذه البرمجيات وتعديل الكود المصدري، وتشجّع المؤسسات الحكومية –عن طريق تعليمات ومصادر– على نشر هذه البرمجيات بمجملها وفق رخص مفتوحة المصدر.

لم تسبق أن قامت حكومةٌ ما بالدفع باتجاه المصدر المفتوح بهذا الشكل، ليس بالتركيز على استخدام البرمجيات الحرة فحسب بل بوضع تعليمات صارمة تستدعي نشرها وتطويرها من قبل مؤسسات الدولة. الناظر لهذه التعليمات يعلم أنها ليست وليدة اللحظة بل نتاج سياسات تبنتها الحكومة الأميركية منذ القِدم، فإذا أراد أحد أن يتفهم ما يكمن وراء موقع «الكود الحكومي» من ثقافة سياسية، لا بد أن يتتبع التسلسل التاريخي الذي أوصل إلى هذه النتائج التي اعتُبرت ”آخر الانتصارات المهمة لحركة المصدر المفتوح“.

فمنذ عام ١٩٧٦، يلزم قانون حقوق النسخ الأمريكي الحكومةَ بأن تزيل أي حماية لحقوق الملكية الفكرية من جميع الأعمال التي تنتجها عن طريق مؤسساتها وموظفيها، أي أنها تنشرها في النطاق العام. لم تقتصر الأعمال المقصودة هنا على الصور الفوتوغرافية الرسمية أو مقاطع الفيديو الترويجية التي كانت تنتجها الحكومة الأميركية، بل أصبحت البرمجيات جزءًا من هذه الأعمال المتاحة للعامة.

مع تتابع السنوات، ساعدت المؤسسات الحكومية الأميركية في التقدم التكنولوجي «المفتوح»، من شبكة الإنترنت إلى نظام SELinux، وتركت هذه المؤسسات آثارًا تُذكر في ميادين التكنولوجيا. إلا أن التحوّل إلى الحكومة الرقمية دفعت بالمزيد من هذه الإسهامات، وبشكل خاص بعد أن انتشرت مبادئ الحوكمة المفتوحة النابعة من فكر المصدر المفتوح. فأصبحت مبادئ الشفافية والنزاهة تقف جنبًا إلى جنب مع التكنولوجيا في أعمال وواجبات الحكومة. ولعل أبرز دليل على نُجوع هذه المبادئ هو «سياسة الكود المصدري الفيدرالي» هذه بالذات، والتي كانت التزامًا وضعته الولايات المتحدة على نفسها لعضويتها في «الشراكة الحكومية المفتوحة».

الأردن عضو كذلك في «الشراكة الحكومية المفتوحة»، وبدأت حكومتنا تهتم فعلًا باتباع بعض من سياسات الحَوكمة المفتوحة على نفسها، بدءًا من إطلاق مبادرة للبيانات الحكومية المفتوحة وصولاً إلى الالتزامات المتعلقة بالشفافية والوصول إلى المعلومة.

من الناحية التقنية البحتة، التزمت حكومتنا بالمزيد من الإنجاز في تنفيذ «الحكومة الإلكترونية»، ولكن على الحكومة الأردنية أن تُدرك بأن ليس عليها التزام تجاه مواطنيها من الناحية التكنولوجية فقط، بل من الناحية الاجتماعية للتكنولوجيا أيضًا. ماذا نقصد بذلك؟ على الحكومة أن توفر خدماتها بطريقة إلكترونية فعالة وأن ترتقي تقنيًا باستخدام آخر التقنيات المتوفرة عالميًا، ومما لا شك فيه أن الحكومة الأردنية تؤمن بذلك وتعمل صوبَ ذلك في الوقت الحالي، فهي تسعى جاهدة لتفعيل مشروع «الحكومة الإلكترونية»، فمثلاً، تبنّت الحكومة الحوسبة السحابية لتغطية احتياجات مؤسساتها وتعمل على إيجاد بنىً تحتية بالألياف الضوئية للتشبيك بين مختلف الدوائر.

مبادئ النزاهة والشفافية تجعل أيضًا –في نهاية المطاف– الحكومة أكثر انفتاحًا تكنولوجيًا. لأن للمواطن حقًّا في الانتفاع بالخدمات الإلكترونية كما له الحق في الانتفاع –دون قيود– بالبرمجيات التي تطورها أو تحصل عليها الحكومة من مخصصات الموازنة، وله الحق في الاطلاع على كيف صُرفت أمواله في البرمجة وما نتج عنها من برامج وكود مصدري. وللمواطن الحق أيضًا في مساءلة حكومته إذا ما زاد إنفاقها على برمجيات احتكارية بدلًا من بدائلها الحرة.

في الوقت الذي بدأت الحكومات تستوعب –كالشركات– أن المصدر المفتوح أفضل الطرق الممكنة لنشر البرمجيات، تقنيًا واجتماعيًا، هناك فرصة بأن تتبع الحكومة الأردنية ذات الأسلوب.

فالوقت الآن مناسب أكثر من أي وقت مضى لنبدأ تحوّلاً حكوميًّا جادًّا نحو المصدر المفتوح، مبنيًا على المبادئ السابق ذكرها والتي عملت جمعيتنا –منذ تأسيسها قبل خمس سنوات– على تشجيعها والبوح بها من على مختلف المنابر. إلا أن إصدار «سياسة للكود الحكومي» واعتماد تعليمات للمصدر المفتوح على مستوى الدولة لما فيها من منافع، تتطلب جهودًا مشتركة تبدأ من مجتمعنا المفتوح المصدر وصولًا إلى أعرض شريحة من المواطنين، فالمصدر المفتوح –برأينا– مسألة للأردنيين أجمعين.

6 Words

رأينا: انتصار القراصنة اﻵيسلنديين والسياسة ”مفتوحة المصدر“

pirate
حزب القراصنة الدّاعي إلى تطبيق مبادئ المصدر المفتوح في السياسة العامة (وتبنّي حرية البرمجيات والثقافة) تقدّم بشكل كبير في آخر انتخابات آيسلندا. على مجتمعات المصدر المفتوح -حتى في الأردن- أن تفرح بذلك، مع حتمية مراعاة التباين بين هذا ”الانتصار“ والواقع في الدول الأخرى.

في البداية، لم يكن سوى مطلب واحد يتيم؛ تعديل قوانين الملكية الفكرية وبراءات الاختراع في بلده السويد. إلا أن تعنُّت السياسيين دفع (ريك فالكڤينج) إلى حشد المزيد من الداعمين لفكرته وإنشاء حزب سياسي يحمل تلك الأفكار. ”لا يمكنك أن تغيّر النظام الحالي دون أن تكون حزءًا منه“ كان يقول. ”كل واحد فينا يمكن أن يغيّر شيئًا، ولكن لا أحد يمكنه تغيير كل شيء“.

ظهرت معتقدات الحزب منذ اليوم الأول من إبصاره النور مستندةً على فلسفة المصدر المفتوح، فلم تكن المطالبة بإصلاح قوانين الملكية الفكرية هي الوحيدة بين الطروحات. حرية المعرفة والمحتوى المفتوح، حيادية الإنترنت، الخصوصية… كلها برزت كمطالب جوهرية للحزب. كذلك، برأي الحزب، مثلما تكون البرامج مفتوحة المصدر قابلة للتعديل ومشاركة الجميع، تكون السياسات العامة قابلة لذلك أيضًا، فالمساهمة في رسم السياسات مفتوحة لجميع المواطنين. ومثلما يتمكّن أي شخص من الاطلاع على الكود المصدري لتلك البرامج، يتمكن المواطن من الاطلاع على أعمال الحكومة بنفس الشفافية، فلا شيء يُخفى هنا أو هناك.

منذ بدايته عام ٢٠٠٥، أصبح مشروع فالكڤينج السياسي-التكنولوجي يلاقى تقبّلا كبيرًا بين نشطاء يشاركونه الآراء ذاتها، فبدأت أحزاب القراصنة تنتدح في أنحاء العالم. قليل منها حققت بعض الانجازات ولكن معظمها بقت هامشية في ميادين السياسة (وفي صناديق الاقتراع) في بلدانهم.

في آيسلندا كان المشهد مختلفًا فتحقق الانتصار الأول إبّان أزمة البنوك العالمية، ولكن مع آخر الانتخابات  (وبعد فضيحة رئيس الحكومة هناك وما تسرّب عنه من فساد في ”وثائق پنما“) كان الفوز أعظم. أُعلنت النتائج وتبين أن الحزب نما ليصبح ثالث أكبر الأحزاب على المستوى الوطني، فائزا بعشرة مقاعد (من أصل ٦٣ مقعدًا تُشكّل الـ”ألثنغ“، البرلمان الإيسلندي).

تشارك أحزاب القراصنة بجُلّ أفكار مجتمعات المصدر المفتوح، فمن الطبيعي أن تشعر هذه المجتمعات، من باب التقمّص العاطفي، مع مكتسبات القراصنة في آيسلندا. وليس غريبًا أن يتعاطف نشطاء المصدر المفتوح -حتى هنا في الأردن- مع من يؤمن بهذه الأفكار ولو كان نائيًا بعيدًا، فالعقيدة المشتركة قادرة على التئام من يتبناها بالرغم من المسافات والتباين الواضح في الواقع السياسي.

ولكننا على علمٍ بأن التجربة اﻵيسلندية مقترنة بذاك البلد، وقد لا تتكرر في أقطار أخرى. بالرغم من تواجد أحزاب القراصنة بشكل أو بآخر في ٣٣ من بلدان العالم، نجح القراصنة الآيسلنديون حيث فشل القراصنة في البلدان الأخرى، لأنهم نجحوا في بناء برنامج سياسي إصلاحي شامل، يستند على إعطاء الأفراد القدرة على المشاركة الديمقراطية المباشرة من خلال استخدام التكنولوجيا. حتى أن أحد النواب الناجحين حديثا، سماري مكّارثي، كان قد بدأ مشواره السياسي بتطوير مشروع أسماه برلمان الظل، أصبح يسمى الآن بالـ”ديمقراطية السائلة“، وهي نوع من أنواع الديمقراطية ”التفويضية“.

تستخدم أحزاب القراصنة برمجيات مبنية على ”الديمقراطية السائلة“ في آليات صنع القرار الداخلي في تلك الأحزاب، و تتميز عن دون الأنظمة الديمقراطية السائدة بأنها أقرب ما يكون للديمقراطية المباشرة، وتسمح للفرد بالإدلاء بصوته مباشرًا، أو أن يفوض شخصًا آخر لفترة معينة لتمثيله بشكل عام أو لمواضيع معينة. أمّنت هذه التجربة لقراصنة آيسلندا ثقة مناصريهم وقاعدة صلبة لنجاحهم بالانتخابات.

وفي حين تعثّرت تجارب القراصنة في السويد وألمانيا لغياب الخبرة السياسية، تميز القراصنة الآيسلنديون لأنهم استقطبوا اهتمام النائب في البرلمان بيرجيتّا جونسدوتّير، إذ كانت تمثل حزب حركة المواطنين سابقًا، لكنها قررت المشاركة بتأسيس حزب القراصنة في عام ٢٠١٢. وبالرغم من أن هيكلية الحزب أفقية، قامت جونسدوتّير بحكم خبرتها في النشاط السياسي بقيادة الحزب إلى ما هو عليه اليوم.

وإن كانت قصة النجاح هذه تدل على شيء، فهو أن تجربة القراصنة هنا لتبقى. سارع العديد بصرف النظر عن القراصنة بوصفهم بأنهم ”موضة“ عابرة، لكنهم أثبتوا أنهم ما زالوا موجودين بعد مرور عقد على نشوء تجربتهم التي طالت أكثر من تجارب بعض الدول مع الديموقراطية.

أما في منطقتنا العربية، تتواجد أحزاب القراصنة في ثلاث دول: لبنان والمغرب وتونس، ولكنه من المُستبعَد أن نلتمس مثل هذه التجارب قريبًا. مع ما نراه من صعوبة الانخراط في العمل السياسي وغياب الحريات العامة، هناك طريق طويل لتقطعه هذه التجربة في محيطنا.

5 Words

رأينا: يجب ألّا نلوم أجهزتنا الكهربائية بسبب هجمات “إنكار الخدمة”

iot
بعد هجمة إنكار الخدمة DDoS الأخيرة التي أدت إلى تعطّل جزء من الإنترنت، توجهت أصابع الاتهام إلى “إنترنت الأشياء”. ولكن القول بأن أجهزتنا الكهربائية -حتى تلك الموصولة بالإنترنت- مشتركة في الجريمة ما هو إلا تخويف (أو تجهيل) ناتج عن عدم الإلمام بالتكنولوجيا.

يحاول الكاتب المختص في شؤون التكنولوجيا بريان باريت في مقالٍ على مجلة Wired تهدئة الأمور. في تهويل إعلامي استمر منذ أن بدأت هجمة إنكار الخدمة على البنى التحتية التابعة لشركة Dyn، وُجّه سيل من الاتهامات إلى الأجهزة الكهربائية الموصولة بالإنترنت. “على الرغم مما سمعتَ، لم تشارك كاميرات الإنترنت ولا كاميرات المراقبة ولا الثلّاجات الموجودة لديك في هذا الهجوم”، يقول باريت في مقاله.

في محاولة عقلانية وعلمية لتحليل الهجمة، تشير نفس المقالة إلى آراء خبراء في أمن المعلومات. “معظم الأجهزة المصابة قديمة وصُنعت قبل ١٢ عاما -في عام ٢٠٠٤- من شركة صينية واحدة اسمها Hangzhou Xiongmai قامت بسحب الأجهزة المعرّضة للخطر”، و”تحتوي هذه الأجهزة على نظام تشغيل مُدمج مع كلمة سر مختزنة عند التصنيع… ككثير من الأشياء التي ظهرت في بداية الإنترنت، لم يؤخذ الأمان الرقمي بالحسبان”.

هذا المقال الذي نُشر في مجلة تقنية ذات مستوى علمي عالٍ ما هو إلا استثناء في التغطية الصحافية لهذه الهجمات، تستخدم وسائل الإعلام عادةً عناوين ومضامين توحي بوجود خطر وشيك في التقنيات الحديثة، ومنها ما توصل إلى حدّ لوم المستخدم البسيط لاشتراكه بهذه الهجمات. بعض الإعلاميين قد يستغلون “خطاب الخوف” هذا لجذب عدد أكبر من القراء، ولكن عددًا أكبر منهم ينشرون هذه الأفكار المغلوطة نتيجة عدم الإلمام بالمواضيع التقنية (والعلمية بشكل أوسع).

الهوس وراء خطر “الألفية الجديدة” Y2K ما هو إلا مثال على ذلك، والآراء التي كانت تطلق -حتى من مجلات محترمة كـNewsweek- التي كانت تتنبأ بسقوط الإنترنت واستحالة الشراء عبر المواقع الإلكترونية، تتبع ذات العقلية الصحافية.

“إنترنت الأشياء”، كغيرها من المستجدات التكنولوجية، تتعرض للشك والريبة. بالرغم أن جزءًا منهما يستند على مخاوف مشروعة إلا أنَّ كثيرًا مما يُشاع ينطوي على ترهيب مبالَغ. هنا يبرز دور الخبراء التقنيين في إعادة الأمور إلى نصابها.

كل الأجهزة المربوطة بالإنترنت معرّضة للإصابة، وهذا لا يعني أن علينا أن نشعر بخوف دائم، فالهجمة الأخيرة مثلًا، على الرغم من ضخامتها، ما هي إلا هجمة قديمة ومعروفة على المستوى التقني، وبالإمكان اتّباع بعض النصائح الأمنية البسيطة، كتغيير كلمات السر الأصلية على أجهزة تسمح بذلك، لتلافي التعرّض لهجمة كذلك. وهذا دور المستخدمين، فلا يتطلب ذلك معرفة عميقة في التكنولوجيا، وإذا كان غير ذلك، فيمكن الاستعانة بخبراء التكنولوجيا لحل مثل هذه المشكلات، بالطريقة نفسها التي عادة تُفحص سيارتك من خبير إذا ما لاحظتَ مشكلة في الكوابح، وليس لديك الخبرة الميكانيكية لحلها.

بالمقابل، هناك ضرورة لمعايير أمان وحماية خصوصية تقع على مصنّعي أجهزة “إنترنت الأشياء”، وما هي إلا مسألة وقت حتى تتفق الشركات المصنعة على ذلك ضمن تنظيم ذاتي للقطاع. إذا لم تفلح هذه الجهود، فهناك تعليمات على مستوى الدول يمكن أن تضاف على معايير الأجهزة من ناحية الأمان، شبيهة بالتعليمات المتّبعة حاليًا لتصنيع وبيع الأدوات الكهربائية.

إن الخوف من “إنترنت الأشياء” له مبرّرات لا تُنكر، ولكن الانصياع وراء حملات التهويل لا تجدي نفعًا من ناحية تحقيق أمان رقمي على أرض الواقع. ما يلزمنا هو إعادة النظر في “إنترنت الأشياء” من ناحية تقنية وعلمية بحتة، دراستها والتوسّع في تفاصيلها، لندرك ما هي المشكلات الحقيقية الناتجة عنها وكيفية حلها لضمان حماية الخصوصية وأمن حياتنا الرقمية، إذْ أنّ التقدّم التكنولوجي يُخلق هكذا، لا بتنبؤات فشل الإنترنت وحدوث الكوارث جرّاء الشراء عبر المواقع الإلكترونية.

13 Words