بقلم

حجب الاتصالات في الأردن

قبل عدة سنوات، كنت أجلس في غرفة جدتي، عندما أحضرَت مجموعة من الرسائل وأشرطة الكاسيت، كانت تقول لي أن هذه الأدوات هي التي كانوا يستخدمونها في مراسلاتهم البعيدة في الماضي، الأشرطة كانت تحتوي على تسجيلات للعائلة والأصدقاء، تِلك المراسلات كانت تأخذ طول الطريق من فلسطين إلى الكويت وبالعكس، وهي رحلة تحتاج لشهر أو أكثر لتصل فيها الرسالة إلى مستلمها. في العادة كان يحمل الرسالة أحد الأقرباء أو المعارف المُغادرين إلى إحدى الوِجهتين.

تذكّرتُ تلك القصة عندما حاولتُ الاتصال بأحد الأقارب الذي يعيش في إحدى الدول البعيدة، وذلك باستخدام إحدى التطبيقات التي توفّر خدمة الاتصال المجاني عبر بروتوكول الإنترنت. عندها واجهتُ أول تجربة شخصية لي مع حجب خدمات الاتصال على الإنترنت، كُنتُ قد قرأتُ في الأخبار كثيراً عن هذا الموضوع؛ كيف أن شركات الاتصالات بدأَتْ تحاول منع هذا النوع من الاتصال ﻷنه يشكّل خطراً عليهم ويقلّص أرباحهم أو جزءاً منها.

تابعتُ موضوع حجب هذه الخدمة في الأردن بشكل متواضع، لم أُعطِها القدر الكافي من المُتابعة مع أنها قضية مُهمّة جدّاً قد يكون لها أثر كبير على قِطاع التكنولوجيا في الأردن، ولكن يبدو أن الشخص فينا لا يهتمّ بموضوع إن لم يكن يمسه بشكل شخصي!

خدمة الصوت عبر بروتوكول الإنترنت تراها الشركات على أنها خدمة تُهدّد أعمالهم، اﻷمر الذي دفع هذه الشركات إلى تنظيم عدة اجتماعات مع هيئة تنظيم قطاع الاتصالات في الأردن بهدف أن يُسمح لهم بوضع رسوم على هذه الخدمات التي تُقدمها التطبيقات بشكل مجاني، لكن -لحسن حظّنا- لم تسمح لهم الهيئة بذلك.

وكانت هذه خطوة جيدة في الحفاظ على قيمة خدمة الإنترنت التي توفرها شركات الاتصالات للمستخدمين الذين يدفعون مُقابل هذه الخدمة وفقاً لعقود شهرية أو سنوية بين المستخدمين وشركات الاتصالات.

وكما يبدو أن تِلك الشركات كانت على أتم الاستعداد لتنفيذ “خُطّة (ب)” كانت تفرض الحجب على هذه الخدمات، وكأنها حركة احترازية اتخذت ردًّا على ضياع فُرصهم في فرض رسوم عليها وتحويلها الى مصدر دخل آخر لهم.

إن تقنية الصوت عبر بروتوكول الإنترنت تقنية ساهمت في بدء ثورة عالمية في مجال الاتصالات… ثورة غيّرت الكثير من شكل مُعاملاتنا اليومية، إذ أصبحنا نعتمد عليها يومياً في أعمالنا، وفي أوقات فراغنا، وفي كُل مجالات حياتنا تقريباً.

هذه التقنية -مثلاً- سهّل للعديد من العاملين في القطاعات المُختلفة بالعمل عن بُعد، إذ تُستخدم في التواصل المُباشر مع الزُملاء في العمل، أو حتى مع العُملاء الذين يصعب الوصول إليهم عبر وسائل أُخرى، حتى أن بعض الشركات استغلّت هذه التكنولوجيا في افتتاح مراكز لخدمات العاملين تعمل طوال اليوم، بلا توقف، وبنفس الوقت في الاستغناء عن نِظام التناوب على العمل، إذ أصبحوا يفتتحون هذه المراكز في دُول يتعاكس فيها النهار عن الليل.

أتساءل عن الأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات مثل “سكايب” و”واتساب” بل وحتى سنابشات الذي انضم إلى مجموعة التطبيقات التي توفر هذه الخدمة مؤخراً، كيف سيصبح شكل مُراسلاتهم اليومية؟ بالطبع العديد منهم لن يتحمل التكاليف الجنونية للمكالمات الدولية. هذا يؤثّر أيضاً على الشركات المستخدمة لهذه التطبيقات التي ستتضاعف عليها تكاليف هذه المُراسلات. كيف سيتحمل إخوتنا المُغتربون تكاليف تِلك الاتصالات الدولية الطويلة؟ بالطبع لن يكون الأمر بالسهل في حال استبدال المُحادثة بالرسائل الصوتية أو النصية، هُناك شيء مُميّز للطرفين توفره اتصالات الصوت عبر بروتوكول الإنترنت لن يجداه عند غيرها.

أيضاً أتساءل: كيف سيكون شكل السوق وهذا الحجب بُقعة سوداء في صورة الأردن الذي طالما رُوِّج على أنه دولة مُتقدمة في مجال التقنية على مُستوى المنطقة؟ كيف سيفكر المُستثمرون في الدخول في سوق تُحجب فيها تقنيات يعتمدون عليها في كُل شيء؟ حجب هذه الخدمة مُضرّ للقطاع بالكامل، وهو خطوة للوراء في هذا المجال… خطوة للوراء يأخذها عنّا أشخاص همّهم الوحيد جني المال لأنفسهم واحتكار الخدمات. المُضحك في الموضوع أن تِلك الشركات التي تقوم بالحجب هي نفسها التي تنظّم فعاليات لدعم الإبداع والابتكار، (طبعاً ليس في مجال المكالمات عبر الإنترنت).

هذه التكنولوجيا سمحت للعديد من التطبيقات بالظهور والتنافس في سوق يُقدّر بأن حجمه سيتجاوز ال140 مليار دولار في غضون 5 سنوات، حيث أن الشركات بدأت تهتمّ وتُنشيء خدماتها الخاصة للاتصال عبر بروتوكول الإنترنت والمُنافسة بينها تشتدّ يوماً بعد يوم. لماذا نُحرَم نحن مطوري البرمجيات باختلاف منصاتها من الدخول والمُنافسة في هذه السوق العالمية التي تتشكل حول هذه التقنية بالتحديد؟ أليس من حقنا التفكير في هذا المجال وتوسيع تفكيرنا في إمكانيات التقنية لا في محدودية قبولها من قِبل الجهات الخاصة أو العامة؟

إن السكوت عن هذا الاعتداء سيسمح للمزيد من الاعتداءات على حقوق المستخدمين في الحصول على خدمة إنترنت خالية من العبث والحجب، إنترنت فيه الفضاءات غير محدودة، إنترنت كالأيام الخوالي. لا أُريد أن نعيش ونحن نرى التقنيات تُحجب واحدة تلو الأخرى كـ”الدومينو” ولا نُحرّك ساكناً. فقط لأنها تُهدد مصادر دخل شركات لم تُحسن في تقديم خدمة إنترنت جيدة تُرضي مُستخدميها.

تخيل لو أن شركات الاتصالات حجبت كُل تطبيقات المُراسلة لحفاظها على أرباحها من الرسائل النصية؟ اليوم يفعلون نفس الشيء، لكنهم انتبهوا للموضوع أكثر عندما شعروا بتقلص عدد المُكالمات الدولية والمحلية التي يقوم بها المُستخدمين بهواتفهم.

إن المُستقبل للمُعاصرين فقط؛ أي للأفراد الذين لديهم اطلاع جيد على ما سيتواجد من تطورات تكنولوجية في السنوات القادمة. التكنولوجيا ستأتي وستحل محل بعض الناس في وظائفهم، ومُحاربة هذا التقدم قد يكون سُخفًا في أغلب الأحيان، وذلك لأنه تقدُّم “قد” يحمل معه تسهيلًا لحياة الناس ويجعل وظائفهم أكثر راحة ومُتعة. بنفس الوقت، قد يكون هذا التطور نقمة على الأشخاص الذين لا يحاولون تطوير ذاتهم والتعلم. نفس الشيء ينطبق على الشركات، شاهدنا انهيار شركات ضخمة كانت رائدة في مجالاتها، ولكن انهيارها كان بسبب تأخرهم عن مُعاصرة الواقع والتطور التكنولوجي السريع. المُستقبل لا يتحمل الوقت الطويل لإصدار مُنتجات تتغير وتُستبدل في كُل أسبوع تقريباً.

أستخدم الإنترنت منذ طفولتي وكنت أحد الشاهدين على تحول هذه الشبكة من منتديات ثرية بالمناقشات والمعلومات إلى مواقع كانت الفائدة الوحيدة منها وضع إعلانات في مساحات فارغة تماماً من المُحتوى. أمضيت ما يكفي من الوقت مُتسمراً أمام هذه الشاشة -هذا وصف أُمي لي- ﻷُدرك الفائدة التي يُمكن لي أن أحصل عليها من هذه الشبكة. الشبكة التي تعرفت من خلالها على أعز أصدقائي ومنها مصدر رزقي أيضاً بطبيعة عملي كمُبرمج. أقرأ الكثير عن هذه الشبكة وتاريخها، وأحزن عندما أرى الشركات تُحولها إلى مكان لزيادة أرباحهم بكُل جشع، فهم مهتمون بزيادة الأرباح فقط. يحاولون تشكيلها وتغييرها لمصلحتهم فقط، ويعتقدون أن امتلاك خطوط تزويد الإنترنت والبُنية التحتية يسمح لهم بحجب ما يمرّ عبرها. هذا يتعارض مع كُل مفاهيم الإنترنت الحُر.

كتبت هذا الكلام وإن كُنت لا أُريد الكتابة في هذا الموضوع، لأنني أرى أنه يجب علينا الاستمرار في تقديم الشكاوى عن حجب هذه الخدمة، وأن نُطالب -بكُل الطُرق المُمكنة- من الشركات أن تُعيد الخدمات التي قامت بحجبها، ليس لأننا نستحق ذلك بل لأنه من حقنا أن نحصل على خدمة الإنترنت كاملة إذ أننا نقوم بدفع النقود مُقابلها.