بقلم

الشبكة لنا جميعا، وليست ملكا لكم

هل يحق للقنوات التلفزيونية وضع رسوم على “يوتيوب” لأنها سببت خسائر لها؟ يشدد الباحث في الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، براء حسنية، على أن الإنترنت لم يعد سلعة كمالية، بل ضرورة ماسة لكل مواطن. فمنذ نشأة الإنترنت يجني الناس فوائد هذه الشبكة، وعلى شركات الاتصالات أن تعمل لمستقبل هذه الشبكة بدلا من أن تعارض التقدم التكنولوجي عليها لتعوّض خسائرها.

 

قبل خمسة وأربعين عاماً بدأ الإنترنت. في بدايته المُتواضعة كشبكة لنقل الملفات المُتعلقة بأبحاث علمية، حينها لم يكن يتوقع ممن كان يستخدمها أنها سوف تنتشر لتُصبح شبكة تربط أقطاب العالم ببعضها البعض. بقيت كذلك حتى عام 1985 عندما قام العالم البريطاني تيم بيرنرز لي بتطوير مشروع أُطلق عليه اسم الشبكة العالمية. ذلك المشروع كان نقطة تحول مفصلية في تاريخ الإنترنت، إذ تحولت الشبكة من شبكة لإرسال البيانات من جهاز لآخر فقط إلى شبكة تنتقل عبرها الأفكار والخدمات بأشكالها المُختلفة… بيانات في كُل مجالات الحياة.

في العقد الأخير أصبح العالم يعتمد على شبكة الإنترنت بشكل هائل، فاليوم يستفيد الناس من الشبكة لإتمام أعمالهم المُختلفة من تصفح وبحث عن المعلومات إلى تواصل وإرسال مقاطع الفيديو والصوت للأصدقاء والعائلة. اليوم، نتمتع من الشبكة في كُل شيء تقريباً، ولا تكفي مجلدات من الكتب لنسطر فيها كل استخدامات الإنترنت، باختلاف الأشخاص وأعمالهم واماكنهم واهتماماتهم  وبقضاء الناس مُعظم ساعات يومهم على هذه الشبكة، يتنقلون من صفحة لأُخرى ومن تطبيق إلى آخر بلا حدود أو قيود تحد من ذلك.

هذا الاهتمام الكبير بشبكة الإنترنت والانتشار الواسع لها بين الناس جعلها محط أنظار العديد من الشركات التي حاولت أن تحتكر الإنترنت لنفسها، خاصة شركات الاتصالات، التي تُحاول جاهدة الحفاظ على العائد المادي لها من المكالمات الهاتفية والمُراسلات النصية. إذ سعت إلى حجب بعض خدمات المُراسلة بالصوت والصورة. هذا العبث المرفوض له أثر كبير على حيادية الشبكة، إذ أن هيكلية هذه الشبكة تطورت بهذا الشكل بفضل حرية تطوير الخدمات والتطبيقات المختلفة عليها، بلا قيود مادية أو فكرية، ولو أن القيود فُرضت عليها يوماً ستقلل نفعها وتحد من إمكانياتها.

الأمر مزعج فعلًا؛ أن يقوم مُستخدم الإنترنت بدفع قيمة تزويده بالاتصال بشبكة الإنترنت ومن ثم يقوم بدفع قيمة خدمة مجانية متوفرة عبر الشبكة، وكأن شركة الإتصالات لم تكتفِ بالحصول على ثمن الإنترنت بل تُريد أيضاً أن يتم فرض رسوم على الخدمات المُوفرة من خلالها.

إن هذا الأمر له خطورة كبيرة وتؤثّر على المدى البعيد على شكل الشبكة الذي نُريده كحيز يعبّر فيها الإنسان عن رأيه بلا خوف أو قيود تمنعه من ذلك بالطريقة التي يشاء. تخيل مثلاً لو أن شركة قامت بفرض رسوم بقيمة 15 قرشًا على كل عملية بحث يقوم بها المستخدم على محرّك البحث جوجل، مع العلم أن جوجل غيّر شكل العديد من الخدمات والأعمال، أو خمسة قروش عن كل فيديو يقوم المستخدم بمشاهدته على موقع يوتيوب، بحُجة أن يوتيوب أثر سلبا على مشاهدة التلفاز وساهم في خسارات ضخمة لشركات الإنتاج التقليدية التي لم تواكب تطور الإنترنت. ولو أننا أردنا أن نفرض رسوماً على الخدمات التي تأثرت عائداتها بشبكة الإنترنت لكانت هُناك رسوم على كل مواقع الإنترنت تقريباً! الأمر مُخيف ومُضحك ولكنه بكُل تأكيد أمر غير مقبول.

أما بالنسبة لحل مُشكلة تقلص أرباح شركات الاتصالات، فإن انخفاض الأرباح لم يكن سببه التطور التكنولوجي في المقام الأول، بل كان بسبب الاهمال التكنولوجي لتلك الشركات وقصر النظر لديها. إذ أنها لم تُعطِ الأمر أهمية عندما بدأت هذه الخدمات تظهر على الشبكة، وقد تكون بعض الشركات قد سارعت في فهم هذه الموجة والبدء في برامج تأهيل الرياديين ودعمهم على أمل الحصول على تطبيق يُنافس تِلك التطبيقات في الأسواق، وهي أسواق تتحمل المزيد من الابتكارات والإبداعات في المجال التقني.

قطاع الأخبار مثلاً تأثر بالإنترنت إلى درجة أن صُحفًا عالمية لم تعد تحتاج إلى الاستمرار في طِباعة نسختها الورقية، في توجه منها لمواكبة ما يحتاجه العالم ويتطلبه المستقبل. وقد تكون هُناك حلول عملية أخرى لتخفيض نفقات تلك الشركات من حيث تطوير البنية التحتية لها والعمل على مواكبة التطورات بأسرع وقت مُمكن، بالإضافة إلى الاهتمام بشكل أكبر بمجال البحث العلمي والبحث والتطوير، واستحداث أقسام خاصة لها في داخل الشركات لكشف متطلبات المُستقبل ومُتابعة التقنيات التي يزداد عددها بشكل ضخم يوما بعد يوم، لتتسنى لتلك الشركات البقاء في المقدمة ومواكبة العصر.

في النهاية، أشدد أنه ليس من العدل أن تُعامل شركات الإتصالات المُستخدمين مُعاملة “صاحب الكُرة”، وتُحملهم بذلك المزيد من الأعباء المادية. فالأردن يحتل المرتبة الـ35 في قائمة الدُول الأعلى ثمنًا للإنترنت. وشبكة الإنترنت اليومَ لم تعد رفاهية، بل أصبحت حاجة ملحة لدى كُل إنسان، يستخدمها طوال يومه بلا انقطاع. فكيف يُحرم الإنسان من حقه في طلب العلم أو التواصل مع الآخرين بحُجة أن أرباح شركات الاتصالات لم تُعجب أصحاب رؤوس الأموال فيها. أيتها الشركات، اعملوا من أجل المُستقبل ولا تجعلوا من أنفسكم عقبة في وجه التقدم والتطور.