بقلم

رسوم أم رسوم؟

إذا سألوك هل تفضل أن يُفرض دينار على كل خط خلوي أم يدفع من يريد استخدام “واتساب” دينارين، بماذا ستجيب؟ على الأغلب ستفكّر أن الخيار الثاني أفضل. يبيّن رئيس الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، عيسى المحاسنه، إن رفد الخزينة من قطاع الاتصالات لا يتوقف على هذين الحلين دون غيرهما، وحتى لو افترضنا ذلك فإن هناك مغالطة واضحة في طرح مثل هذا، إذ أن هذه المقارنة تعتبر غير مكتملة ولا تأخذ جميع تفاصيل الاقتراحين بعين الاعتبار.

تنوي وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فرض رسوم على تطبيقات المحادثة الصوتية (مثل سكايب وواتساب)، قيمتها ديناران شهريًا حسب الاقتراح المعلَن. تقول الوزارة بأن هذا الاشتراك “اختياري” وسيكون محصورًا على “خدمة مضافة” مثل المحادثات الصوتية. وتحاول الوزارة إقناع المواطنين بأن هذا الاقتراح أفضل بكثير من الاقتراح الآخر الذي يفرض دينارًا واحدًا على كل اشتراك خلوي، بطريقة “مجحفة” على كل صاحب خط خلوي في الأردن.

هناك خلل واضح في مثل هذا الطرح، أولاً في المصطلحات المستخدمة، إذ يفترض أن خدمة الصوت على الإنترنت هي “خدمة مضافة”، وهذا غير صحيح، لأن اشتراك أي أردني بالإنترنت يتضمن جميع الخدمات المتوفرة عليه، بما فيه الصوت وغيره. وبالاستناد على فكرة “الاشتراك الاختياري”، وهذا غير صحيح أيضًا، إذ أن مشترك الإنترنت كان قد سبق ودفع تكلفة استخدام الإنترنت، فيحق له هذا الاستخدام استخدامًا كاملًا شاملًا غير منقوص منه، وعلى شركات الاتصالات الالتزام بهذا المبدأ، وليس على المشترك أن يدفع “اشتراكا اختياريا” أو حتى فلسًا واحدًا إضافيًا للحصول على جزء من خدمة كان قد سبق وأن دفع لها كامل سعرها للحصول عليها شاملة.

وأما ما يقلقني أكثر من هذه المقارنة هو أنها تستند على مغالطات منطقية، الأولى هي أنها تحصر جميع الخيارات المتوفرة لرفد الخزينة من قطاع الاتصالات بخيارين يتيمين لا ثالث لهما، والمغالطة الثانية أنها تبسّط هذين الخيارين تبسيطا لا يشمل كل الآثار السلبية الناتجة عن كل منهما. وتسمى هذه المغالطة (المقارنة غير المكتملة أو Incomplete Comparison) وعادة ما تستخدم في التسويق لإقناع المستهلك بشراء منتج على حساب غيره، بالامتناع عن ذكر جميع إيجابيات المنتج المنافس.

فمثلا، في المقارنة التي ذكرت في وسائل الإعلام عدة نقاط أراها مهمة ولكن لم تذكر، على سبيل المثال:

  • إن الرسوم على تطبيقات المحادثة ستذهب (٥٠٪) من إيراداتها إلى شركات الاتصالات، وأما فرض دينار على كل خطوط ستكون إيراداتها لخزينة الدولة بالكامل.
  • إن الجهة الوحيدة المستفيدة من فرض الرسوم على تطبيقات المحادثة، بالإضافة إلى الحكومة، هي شركات الاتصالات التي ستزيد أرباحها عن طريق فرض اشتراك على خدمة كانت مجانية أصلاً. جميع الجهات والشركات الأخرى ستتضرر من هذا القرار.
  • هناك آلية واضحة لفرض دينار على كل خط خلوي (وهو أسهل إداريًا كما صرحت الوزارة)، وأما الآلية التي سيعمل عليها فرض الرسوم على التطبيقات غير واضحة. فهل ستُحجب التطبيقات بناء على “بروتوكول” أو اسم تطبيق أو ماذا؟ ماذا سيمنع أي شركة اتصالات من أن تحجب تطبيق “س” وتسمح بتطبيق “ص” بالعمل؟ ما الذي يمنع شركة الاتصالات من الاتفاق مع الشركة المنتجة لتطبيق ما، بدل مقابل مادي، وأن تسمح لها بالعمل على حساب الشركات الأخرى؟ ألا يضرّ ذلك بالمنافسة في السوق وتمثّل احتكارًا لشركة الاتصالات؟ وكمبرمج أو شركة تكنولوجيا معلومات، ما الذي يمنع شركة الاتصالات من حجب تطبيقي بحجة أنه يقدم “خدمة مضافة”؟ وكيف يمكنني أن أعترض وقتها على هذا القرار؟

سأسعى نحو مقارنة أكثر شمولية للاقتراحين، مع العلم أن كليَهما يحملان جوانب سلبية، ولكنني سأفترض أن هذين الاقتراحين هما الخياران المتاحان فقط (والحقيقة غير ذلك)، ولكن هذا ما تشد عليه الوزارة حاليًا، وبدلا من سردها نصًا، فضّلت أن تكون على شكل جدول، يمكنكم الاطلاع عليه في آخر المقالة.

أود أن أذكركم بأن الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح ترى أن اقتراح فرض الرسوم على تطبيقات المحادثة له آثار تقنية سلبية تفوق أي منافع اقتصادية متوقعة منه. يمكن الاطلاع على كامل رأي الجمعية (الذي تم تقديمه إلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات) على هذا الرابط.

 

فرض دينار على كل اشتراك خلوي فرض دينارين على استخدام تطبيقات المحادثة الصوتية
عدد المواطنين المتأثرين
(حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
٧,٥ مليون
(عدد الخطوط المدفوعة مسبقا المفعلة)
١,٥ – ٢ مليون
(على الرغم أن مستخدمي واتساب لوحدها في الأردن ٦ مليون ، هذا الرقم “تقديري” حول عدد الأشخاص الذين سيستخدمون تطبيقات المحادثة مستقبلا)
الطبقات الاجتماعية المتأثرة
(حسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
جميع المواطنين، بما فيهم الطبقات الأكثر فقرا
(على الرغم من ذلك، يمكن للوزارة تطبيق هذا الاقتراح على المستخدمين الأكثر استهلاكًا وحدهم، وبالتالي عدم المساس بالطبقات الأفقر).
المواطنون الذين يستخدمون تطبيقات المحادثة الصوتية
(تقول الوزارة أنهم -عادةً- من الطبقات الأغنى، على الرغم أن معظم مستخدمي هذه التطبيقات يستخدمونها بسبب التكلفة العالية للمكالمات الصوتية).
الإيرادات المتوقعة
(تقديرا)
٩٠ مليون دينار
(الخطوط المدفوعة مسبقا والفعالة فقط).
٤٠ مليون دينار
(على اعتبار أن مليونا ونصف المليون سيدفع مقابل الخدمة، تحصل الحكومة على نصف هذا المبلغ عن طريق المشاركة بالعوائد).
الجهات التي ستحصل على الإيرادات ١٠٠٪ إلى خزينة الدولة ٥٠٪ إلى خزينة الدولة
٥٠٪ إلى شركات الاتصالات
الجهات المستفيدة
(غير الحكومة)
لا توجد شركات الاتصالات
(بالإضافة إلى الربح المادي المباشر، ستتمكن من تخفيض نفقاتها مع حجب خدمات الصوت، ويمكنها توقيع اتفاقيات حصرية مع بعض التطبيقات، مثلا بفرض اشتراك على واتساب والسماح لسكايب بالعمل بدل اتفاقية وقعت معها).
الجهات المتضررة
(غير الحكومة)
شركات الاتصالات
(ستقل أرباحها بسبب عزوف المستخدمين عن استخدام خدمات الاتصالات خاصة المكالمات الصوتية التقليدية نتيجة زيادة تكلفتها)
قطاع تكنولوجيا المعلومات بأكمله، باستثناء شركات الاتصالات
(سيحدث إخلالًا بالمنافسة على الإنترنت، بالسماح لبعض التطبيقات وحجب أخرى من قبل شركات الاتصالات).
الجهات المتضررة
(من غير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات)
لا توجد
(على حد قول الوزارة، معظم الشركات تستخدم اشتراكات “فواتير” ولا تتأثر بهذا الاقتراح، وإنما باقتراح آخر)
جميع الشركات والمؤسسات التي تستخدم تطبيقات المحادثة الصوتية في أعمالها
الآثار على البيئة الاستثمارية وتطور قطاع تكنولوجيا المعلومات زيادة تكلفة الاتصالات تقلل من أعداد مستخدميها. زيادة تكلفة الاتصالات تقلل من أعداد المستخدمين لها.

الإضرار بالتنافسية على الإنترنت سيشكل عاملا طاردًا للاستثمارات

وضع عوائق أمام شركات تكنولوجيا المعلومات والمبرمجين الذين يطورون خدمات على الإنترنت، إذ أصبحوا معرضين لقرارات شركات الاتصالات بفرض رسوم أو الحجب.

وضع رسوم على خدمات مجانية وعالمية مثل واتساب وفيسبوك يضرّ بسمعة الأردن الاستثمارية.