بقلم

إنجاز نحو المجهول

شراء «سوق.كوم» من قبل أمازون شغل تفكيرنا من جديد فيما إذا كان جزء من هذا الإنجاز أردنيًا أم لا. يرى عيسى المحاسنه أنه ليس مهمًّا أن نحدّد جنسيّة الإنجاز، بل الأولى أن نناقش رؤى قطاع تكنولوجيا المعلومات الأردني بناء على المبرمجين. فهل المبرمجون الأردنيون مجرد أدوات لمشاريع اقتصادية أجنبية ويمثلون بديلًا عربيًا عن العمالة الهندية؟ أم أنهم يمثلون نموذجا في الابتكار والإبداع في مجال التكنولوجيا على مستوى المنطقة؟

في واحدة من أوسع تسريبات ويكيليكس، ظهرت آلاف البرقيات الصادرة عن السفارات الأميركية حول العالم للعلن. بعضها سطعت فاحتلت عناوين أهم الصحف العالمية أما غيرها التي كادت ألا تحوي شيئا يذكر سوى أعمالًا روتينية للدبلوماسيين بقيت منسية في ثنيات أكثر مواقع التسريبات شهرة. منها برقية بثّت من عمّان، لا تكشف أي معلومات سياسية «خطيرة» وإنما كانت تقريرا للقاءات جرت بين المكتب الاقتصادي للسفارة الأميركية وعاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات الأردني.

من الناحية الإخبارية، لم تكشف البرقية المذكورة أي جديد، ولكنها أعطت انطباعًا عامًّا عن رؤية الحكومة الاستراتيجية لقطاع تكنولوجيا المعلومات. منها مكانة الأردن التنافسية في هذا القطاع وكيف تنظر وزارة الاتصالات نحوها، فبعيدًا عن شعارات «سيليكون ڤالي» الشرق الأوسط والحملات الإعلانية عن ريادة الأعمال التي تسوَّق في العلن؛ ”في الخفاء ‒ تقول البرقية ‒ من تم الاجتماع معهم في الحكومة الأردنية واقعيون حول الموارد المحدودة للأردن ليصبح مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا“.

كان مدير الاستثمارات في الوزارة آنذاك صريحًا ومباشرًا في واحد من اللقاءات، معلنًا أن ليس للأردن أي طموح بأن ينافس دبي في بيئة الأعمال التكنولوجية، وإنما كان يرى أن دور الأردن أشبه بأن يكون «هند الوطن العربي»، دورًا يقتصر في تقديم ”خدمة الزبائن وخدمات البرمجة لشركات تقيم خارج الأردن“.

قد نشرت البرقية على إثر استحواذ شركة «ياهو» على شركة «مكتوب» الأردنية. أما اليوم، مع عملية بيع «سوق.كوم» نتساءل هل تغيّر رؤيتنا لدور الأردن التكنولوجي، أم ترسّخ مفهوم «هند الوطن العربي» فعلًا في أذهان المبرمجين الأردنيين؟

الصورة النمطية التي نملكها عن تكنولوجيا المعلومات في الهند تتمحور حول تقديم خدمات تقنية لشركات خارجية، عن طريق عمالة رخيصة غير مبدعة أو مبتكرة. فهل أتى الوقت المناسب لنسأل: هذا ما نريده حقًّا لقطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن؟ أم يمكن للأردن أن يكون رائدًا في الابتكار التكنولوجي؟

كنتُ في جلسة من الجلسات التي أقيمت لتحديد استراتيجية الأردن في تكنولوجيا المعلومات، طرح متحدث عدة خيارات عن النموذج الذي يجب على الأردن أن يتبعه لضمان مستقبله التكنولوجي. أحدث أول خيار مطروح ضجة بين المشاركين في القاعة، ضجة خالطها شعور تراوح بين الضحك والتحسّر. كان ذاك الخيار عن العمل لجعل الأردن دولة رائدة في مجال الابتكار والإبداع التكنولوجي، دولة أشبه بـ«إسرائيل»، أو بـ«جيراننا غربًا» كما ألمح المتحدث.

أجمع المشاركون على استحالة الفكرة من الأساس، فيما دعا بعضهم إلى عدم ضياع الوقت في طرح أسطوري كهذا. وربما كنا على حق، لأن الإبداع والابتكار لا يولدان إلا بخطط طويلة الأمد وبالغة التكاليف في البحث العلمي، وبما هو أصعب مثل تغيير نظامنا التعليمي من جذوره، من الصفوف المدرسية في المرحلة الابتدائية، أو بما هو أصعب أيضًا كتغيير ثقافة المجتمع ككل.

هناك نوع من التخبط في تشبيه بلدنا بالهند أو بإسرائيل، لأن هذا التشبيه يشوبه تجاهل في المقومات التي جعلت هاتين الدولتين نماذج ‒ كل على حدة ‒ تُحترم في صعيد تكنولوجيا المعلومات العالمي. فليس لدينا العدد الهائل من المبرمجين كالهند وليس لدينا جامعات كالجامعات الإسرائيلية تربض على قمة أفضل الجامعات أو أعلى نسبة من العلماء مقارنة مع السكان في العالم.

ولكن العامل الرئيسي الذي يتجاهله القطاع وصانع القرار الأردني يكمن في المبرمجين والمهندسين الأردنيين الذين غالبًا لا يُنظر إليهم كعوامل تغيير أو كممثّلين رئيسيين في القطاع، بل عادةً ما يُناط بهم دور سلبي. ولا يمكن لمسيرة النهوض بقطاع المعلوماتية إلا أن يقودها مهندسوها وعلماؤها أولاً.

فرجوعًا إلى مثالَي الهند وإسرائيل، ترى أنجيلا سايني، مؤلفة كتاب «Geek Nation» (وطن مهوسي التكنولوجيا) أن هناك تشابهًا بين ما يحدث في الهند حاليًا والثورة التكنولوجية التي شهدها اليابان في السبعينات، فتقول أن بالرجوع إلى الدراسات التي نشرت في اليابان عن تلك الفترة، لم يختلف اليابانيون عن الهنود الآن، فكانوا ذوي تعليم جيد وجادين في العمل ولكن كان ينقصهم ابتكار وإبداع حقيقيَين.

إلا أنها ترى أن المجتمع التقني الهندي «المهووس بالتقنية» هو العامل الرئيس فيما حققته الهند من إنجازات وما سينجزه مستقبلًا. ”أعتقد أن بقية العالم تقلل من شأن ما يمكن أن يحققه مئات الآلاف من العلماء والمهندسين الشباب الملتزمين“ تقول سايني. إلا أنها تعترف أن كثيرًا من الشباب الهنود التقنيين يغادرون الهند ولكن جزءا منهم أصبحوا يعودون إلى بلدانهم، حاملين معهم ثقافة ابتكارية جديدة، وأنهم بدأوا رويدًا في تحقيق ما قد يشبه يابانَ جديدًا.

لا يختلف دور المجتمع التقني الإسرائيلي في أهميته كثيرًا عن الهند. فعلى الرغم أن الصورة النمطية عن «جيراننا غربًا» تبرز الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي، وبتسويقها عالميًا كمركز للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، إلا أن وراء هذا العدد الهائل من الشركات الناشئة ليس ثقافة ريادية بالدرجة الأولى، بل ثقافة تكنولوجية عامة ومنتشرة. فكثيرًا ما يذكر أن نقطة التحول الرئيسية كانت في بداية التسعينات مع هجرة مئات الآلاف من المهندسين والمبرمجين ذوي الخبرة والمهارة من الاتحاد السوڤييتي سابقًا، وهناك من يرى أنّ مع تقلص أعداد المبرمجين وكفاءتهم وعدم نشوء جيل جديد مهتم بالعلوم والرياضيات بات القطاع التكنولوجي عندهم في خطر.

عمليًا، التجربتان تدلان على أنه لا يمكن أن نتوقع في الوقت القريب أي شركة إسرائيلية أو هندية بحجم ونفوذ شركات كـ«ياهو» أو «أمازون»، ولكنهما دولتان تتميزان بتقديم أفضل ما لديهما، فالهند قادرة على تقديم خدمات تكنولوجية لشركات عالمية، وإسرائيل قادرة على إيجاد تكنولوجيات حديثة وبيعها لشركات عالمية أيضًا.

وما هو أفضل ما لدينا في الأردن؟ فليس لدينا عدد ضخم من المبرمجين وليس لدينا ميزانية تعتبر من الأعلى عالميًا في نسبة الإنفاق على البحث العلمي. إلّا أن إذا نظرتَ حولك ستجد عددًا لا بأس به من المبرمجين المبدعين والذين عادةً ما يهاجرون خارج الأردن، ويعمل بعضهم في أهم شركات تكنولوجيا المعلومات، وعددًا لا بأس به لديه المهارات الكافية لتقديم الخدمات التكنولوجية التي لا تتطلب نوعًا معينًا من الابتكار والإبداع.

من الصعب أن نحدّد مستقبل القطاع بناءً على هذا النظام الهجين، ولكن الأصل أن يجد المجتمع التقني والمبرمجون بذاتهم استراتيجية واضحة لمستقبل الأردن التكنولوجي بناءً على ما يميّزهم وما يتطلعون إليه، وهو بالتأكيد ليس وضع نفسه كبديل عربي للعمالة الهندية الرخيصة وهو ليس في تسويق نفسه بمشاريع ريادية وإنجازات لم تحدث أيّ ابتكار تكنولوجي ذي شأن.