بقلم

رأينا: لا بد من تشريعات لتشجيع النفاذ المفتوح في الأردن

المقصود بالنفاذ المفتوح (Open Access) هو إتاحة الأوراق العلمية ونتائج البحوث العلمية للعامة دون مقابل مادي ودون قيود الملكية الفكرية، كيف يمكن تشجيع هذا المبدأ في الأردن؟

يحتفل العالم في هذه الأيام بأسبوع “النفاذ المفتوح”، وهو فكرة أساسها إزالة جميع القيود على الحصول على الأبحاث العلمية على الإنترنت. غالبًا ما تُلزم الشركات الناشرة للمجلّات والبحوث العلمية العلماءَ والباحثين على دفع رسوم من أجل الاطّلاع على محتوى بحثٍ أو ورقة علمية ما. وحتى بعد دفع هذه الرسوم، تمنع قوانين “الملكية الفكرية” نسخ أو تصوير أو مشاركة هذه الأبحاث مع الآخرين.

لا أحد ينكر أنَّ التقدم التكنولوجي الحالي يكاد يتعارض مع قوانين الملكية الفكرية البليدة، فيما باتت “حقوق النسخ” تتوارى أمام سهولة نسخ الملفات بين الأجهزة وانتقال المعلومات المتسارع في زمن الإنترنت. إعادة النظر بقوانين الملكية -خصوصًا في دول العالم الثالث كالأردنّ- أمرٌ مرحَّب، ولكنّ طريق الوصول إلى قوانين تعطي الأولوية للتنميّة والتشاركيّة على حساب الحقوق المالية لدور النّشر طريق شائك ومليء بالمصاعب.

بالمقابل، هناك حلول للسماح بالوصول إلى المؤلّفات الأدبية والعلمية ومشاركتها ضمن منظومة الملكية الفكرية الحالية، ولعل أبرز هذه الحلول هو “المشاع الإبداعي” أو Creative Commons. والذي يُلزم ذِكر المؤلّف والناشر مع السماح بالاطّلاع وإعادة استخدام المواد المنشورة.

في الأردن تجارب قليلة (وجيّدة) لمجلّات علمية تُنشر على الإنترنت وفق مبادئ “النفاذ المفتوح”، وعلى الرغم أنّ كثيرًا من الباحثين الأردنيين لا يعارضون فكرة أن تُنشر أبحاثهم أو رسائلهم الجامعية بدلًا من “استغلالها” من قبل الجهات الناشرة أو المؤسّسات التي دفعوا لها رسومَهم الجامعية بالأساس، إلا أن هناك معتقدات راسخة لدى الكثيرين تجعل نشر هذه الأبحاث أمرًا صعبًا أو مستحيلًا.

كثير منهم لا ينظر إلى الغاية الأسمى لأي بحث علمي، وهي أن يُنشر البحث على أوسع نطاق وأن تعمّ فائدته على أكبر عدد من الناس. فتشير بعض الدراسات أن الأوراق العلمية والمجلات المنشورة بمبادئ النفاذ المفتوح تكون أكثر “اقتباسًا” وذكرًا كمرجع من مثيلاتها المَبيعة والمحكومة بحقوق النشر. المؤسسات العلمية الأردنية يجب أن تأخذ هذا بعين الاعتبار، فإن شهرتها وسمعتها مبنيتان على ذلك أيضًا.

النفاذ المفتوح هو حلّ لتخفيف التكاليف على الجامعات ومراكز البحث أيضًا. فبه تتمكن هذه المؤسسات الحصول على منشورات علمية مجّانا بدلاً من أن تدفع مبالغ باهظة لشراء “الوصول” إلى مستودعات ومواقع تبيع هذه المنشورات بيعًا. توفيرٌ قد تستفيد منه الدول النائمة بشكل خاص، ومنها الأردن.

ولكن الفكرة الرئيسية الداعمة للنفاذ المفتوح -بوجهة نظرنا- تكمُن في مسؤولية المؤسسات البحثية العامة وحقّ المواطن في الاستفادة من نتائج بحث تلك المؤسسات التي دعمها المواطن أصلًا بماله. مثلاً، مؤسسات البحث العلمي الحكومية تحصل على موازنتها من الدولة، وبالتالي من الضرائب والرسوم التي يدفعها المواطن، كذلك الأمر للجامعات الحكومية، حتى وصل الأمر في الأردن أنه لم يكتفِ بالرسوم الجامعية التي يدفعها الطالب (والذي يُفترض أن جزءًا منها تُخصّص لمشاريع البحث العلمي) بل كان يُجبى من كل صاحب هاتف خلوي دينارًا لدعم هذه الجامعات.

بالتالي، إنه من البديهي أن نتائج مشاريع البحث العلمي المدعومة من المواطن تعود في الآخر للمواطن ليستفيد منها.

لا بد إذًا أن تُبنى منظومة لرعاية النفاذ المفتوح، تكون أشمل وأمتن من المبادرات الفردية والمتبعثرة في هذا المجال، تشجع مؤسسات البحث والباحثين على الانتقال إلى النشر المفتوح وتدعم ماديا المشاريع القائمة والمستقبلية في هذا المجال.

ولكن النقطة الأهم والأكثر أثرًا، هي ضرورة إيجاد تشريعات تُجبر جميع المؤسسات والجامعات الحاصلة على تمويل حكومي أو عام لمشاريع البحث العلمي لديها بنشر هذه الأبحاث بأسلوب النفاذ المفتوح، مع الأخذ بعين الاعتبار شمول المؤسسات غير الحكومية أيضًا في حال تمويلها من جهات عامة، وإدراج بعض الاستثناءات بحسب طبيعة الأبحاث على أن تصبح هذه الأبحاث مفتوحة النفاذ بعد فترة معينة من الزمن.

هناك قوانين ومسوّدات قوانين في العديد من الدول لتحقيق ذلك. فإذا أراد الأردن البقاء في فَلك المجتمع العلمي ومواكبة نطاق البحوث عالميًا لا بد أن يسلك النهج ذاته وفي أسرع الأوقات.


حقوق الصورة: CC-BY-SA Tarawneh