بقلم

رأينا: يجب ألّا نلوم أجهزتنا الكهربائية بسبب هجمات “إنكار الخدمة”

بعد هجمة إنكار الخدمة DDoS الأخيرة التي أدت إلى تعطّل جزء من الإنترنت، توجهت أصابع الاتهام إلى “إنترنت الأشياء”. ولكن القول بأن أجهزتنا الكهربائية -حتى تلك الموصولة بالإنترنت- مشتركة في الجريمة ما هو إلا تخويف (أو تجهيل) ناتج عن عدم الإلمام بالتكنولوجيا.

يحاول الكاتب المختص في شؤون التكنولوجيا بريان باريت في مقالٍ على مجلة Wired تهدئة الأمور. في تهويل إعلامي استمر منذ أن بدأت هجمة إنكار الخدمة على البنى التحتية التابعة لشركة Dyn، وُجّه سيل من الاتهامات إلى الأجهزة الكهربائية الموصولة بالإنترنت. “على الرغم مما سمعتَ، لم تشارك كاميرات الإنترنت ولا كاميرات المراقبة ولا الثلّاجات الموجودة لديك في هذا الهجوم”، يقول باريت في مقاله.

في محاولة عقلانية وعلمية لتحليل الهجمة، تشير نفس المقالة إلى آراء خبراء في أمن المعلومات. “معظم الأجهزة المصابة قديمة وصُنعت قبل ١٢ عاما -في عام ٢٠٠٤- من شركة صينية واحدة اسمها Hangzhou Xiongmai قامت بسحب الأجهزة المعرّضة للخطر”، و”تحتوي هذه الأجهزة على نظام تشغيل مُدمج مع كلمة سر مختزنة عند التصنيع… ككثير من الأشياء التي ظهرت في بداية الإنترنت، لم يؤخذ الأمان الرقمي بالحسبان”.

هذا المقال الذي نُشر في مجلة تقنية ذات مستوى علمي عالٍ ما هو إلا استثناء في التغطية الصحافية لهذه الهجمات، تستخدم وسائل الإعلام عادةً عناوين ومضامين توحي بوجود خطر وشيك في التقنيات الحديثة، ومنها ما توصل إلى حدّ لوم المستخدم البسيط لاشتراكه بهذه الهجمات. بعض الإعلاميين قد يستغلون “خطاب الخوف” هذا لجذب عدد أكبر من القراء، ولكن عددًا أكبر منهم ينشرون هذه الأفكار المغلوطة نتيجة عدم الإلمام بالمواضيع التقنية (والعلمية بشكل أوسع).

الهوس وراء خطر “الألفية الجديدة” Y2K ما هو إلا مثال على ذلك، والآراء التي كانت تطلق -حتى من مجلات محترمة كـNewsweek- التي كانت تتنبأ بسقوط الإنترنت واستحالة الشراء عبر المواقع الإلكترونية، تتبع ذات العقلية الصحافية.

“إنترنت الأشياء”، كغيرها من المستجدات التكنولوجية، تتعرض للشك والريبة. بالرغم أن جزءًا منهما يستند على مخاوف مشروعة إلا أنَّ كثيرًا مما يُشاع ينطوي على ترهيب مبالَغ. هنا يبرز دور الخبراء التقنيين في إعادة الأمور إلى نصابها.

كل الأجهزة المربوطة بالإنترنت معرّضة للإصابة، وهذا لا يعني أن علينا أن نشعر بخوف دائم، فالهجمة الأخيرة مثلًا، على الرغم من ضخامتها، ما هي إلا هجمة قديمة ومعروفة على المستوى التقني، وبالإمكان اتّباع بعض النصائح الأمنية البسيطة، كتغيير كلمات السر الأصلية على أجهزة تسمح بذلك، لتلافي التعرّض لهجمة كذلك. وهذا دور المستخدمين، فلا يتطلب ذلك معرفة عميقة في التكنولوجيا، وإذا كان غير ذلك، فيمكن الاستعانة بخبراء التكنولوجيا لحل مثل هذه المشكلات، بالطريقة نفسها التي عادة تُفحص سيارتك من خبير إذا ما لاحظتَ مشكلة في الكوابح، وليس لديك الخبرة الميكانيكية لحلها.

بالمقابل، هناك ضرورة لمعايير أمان وحماية خصوصية تقع على مصنّعي أجهزة “إنترنت الأشياء”، وما هي إلا مسألة وقت حتى تتفق الشركات المصنعة على ذلك ضمن تنظيم ذاتي للقطاع. إذا لم تفلح هذه الجهود، فهناك تعليمات على مستوى الدول يمكن أن تضاف على معايير الأجهزة من ناحية الأمان، شبيهة بالتعليمات المتّبعة حاليًا لتصنيع وبيع الأدوات الكهربائية.

إن الخوف من “إنترنت الأشياء” له مبرّرات لا تُنكر، ولكن الانصياع وراء حملات التهويل لا تجدي نفعًا من ناحية تحقيق أمان رقمي على أرض الواقع. ما يلزمنا هو إعادة النظر في “إنترنت الأشياء” من ناحية تقنية وعلمية بحتة، دراستها والتوسّع في تفاصيلها، لندرك ما هي المشكلات الحقيقية الناتجة عنها وكيفية حلها لضمان حماية الخصوصية وأمن حياتنا الرقمية، إذْ أنّ التقدّم التكنولوجي يُخلق هكذا، لا بتنبؤات فشل الإنترنت وحدوث الكوارث جرّاء الشراء عبر المواقع الإلكترونية.