بقلم

رأينا: انتصار القراصنة اﻵيسلنديين والسياسة ”مفتوحة المصدر“

حزب القراصنة الدّاعي إلى تطبيق مبادئ المصدر المفتوح في السياسة العامة (وتبنّي حرية البرمجيات والثقافة) تقدّم بشكل كبير في آخر انتخابات آيسلندا. على مجتمعات المصدر المفتوح -حتى في الأردن- أن تفرح بذلك، مع حتمية مراعاة التباين بين هذا ”الانتصار“ والواقع في الدول الأخرى.

في البداية، لم يكن سوى مطلب واحد يتيم؛ تعديل قوانين الملكية الفكرية وبراءات الاختراع في بلده السويد. إلا أن تعنُّت السياسيين دفع (ريك فالكڤينج) إلى حشد المزيد من الداعمين لفكرته وإنشاء حزب سياسي يحمل تلك الأفكار. ”لا يمكنك أن تغيّر النظام الحالي دون أن تكون حزءًا منه“ كان يقول. ”كل واحد فينا يمكن أن يغيّر شيئًا، ولكن لا أحد يمكنه تغيير كل شيء“.

ظهرت معتقدات الحزب منذ اليوم الأول من إبصاره النور مستندةً على فلسفة المصدر المفتوح، فلم تكن المطالبة بإصلاح قوانين الملكية الفكرية هي الوحيدة بين الطروحات. حرية المعرفة والمحتوى المفتوح، حيادية الإنترنت، الخصوصية… كلها برزت كمطالب جوهرية للحزب. كذلك، برأي الحزب، مثلما تكون البرامج مفتوحة المصدر قابلة للتعديل ومشاركة الجميع، تكون السياسات العامة قابلة لذلك أيضًا، فالمساهمة في رسم السياسات مفتوحة لجميع المواطنين. ومثلما يتمكّن أي شخص من الاطلاع على الكود المصدري لتلك البرامج، يتمكن المواطن من الاطلاع على أعمال الحكومة بنفس الشفافية، فلا شيء يُخفى هنا أو هناك.

منذ بدايته عام ٢٠٠٥، أصبح مشروع فالكڤينج السياسي-التكنولوجي يلاقى تقبّلا كبيرًا بين نشطاء يشاركونه الآراء ذاتها، فبدأت أحزاب القراصنة تنتدح في أنحاء العالم. قليل منها حققت بعض الانجازات ولكن معظمها بقت هامشية في ميادين السياسة (وفي صناديق الاقتراع) في بلدانهم.

في آيسلندا كان المشهد مختلفًا فتحقق الانتصار الأول إبّان أزمة البنوك العالمية، ولكن مع آخر الانتخابات  (وبعد فضيحة رئيس الحكومة هناك وما تسرّب عنه من فساد في ”وثائق پنما“) كان الفوز أعظم. أُعلنت النتائج وتبين أن الحزب نما ليصبح ثالث أكبر الأحزاب على المستوى الوطني، فائزا بعشرة مقاعد (من أصل ٦٣ مقعدًا تُشكّل الـ”ألثنغ“، البرلمان الإيسلندي).

تشارك أحزاب القراصنة بجُلّ أفكار مجتمعات المصدر المفتوح، فمن الطبيعي أن تشعر هذه المجتمعات، من باب التقمّص العاطفي، مع مكتسبات القراصنة في آيسلندا. وليس غريبًا أن يتعاطف نشطاء المصدر المفتوح -حتى هنا في الأردن- مع من يؤمن بهذه الأفكار ولو كان نائيًا بعيدًا، فالعقيدة المشتركة قادرة على التئام من يتبناها بالرغم من المسافات والتباين الواضح في الواقع السياسي.

ولكننا على علمٍ بأن التجربة اﻵيسلندية مقترنة بذاك البلد، وقد لا تتكرر في أقطار أخرى. بالرغم من تواجد أحزاب القراصنة بشكل أو بآخر في ٣٣ من بلدان العالم، نجح القراصنة الآيسلنديون حيث فشل القراصنة في البلدان الأخرى، لأنهم نجحوا في بناء برنامج سياسي إصلاحي شامل، يستند على إعطاء الأفراد القدرة على المشاركة الديمقراطية المباشرة من خلال استخدام التكنولوجيا. حتى أن أحد النواب الناجحين حديثا، سماري مكّارثي، كان قد بدأ مشواره السياسي بتطوير مشروع أسماه برلمان الظل، أصبح يسمى الآن بالـ”ديمقراطية السائلة“، وهي نوع من أنواع الديمقراطية ”التفويضية“.

تستخدم أحزاب القراصنة برمجيات مبنية على ”الديمقراطية السائلة“ في آليات صنع القرار الداخلي في تلك الأحزاب، و تتميز عن دون الأنظمة الديمقراطية السائدة بأنها أقرب ما يكون للديمقراطية المباشرة، وتسمح للفرد بالإدلاء بصوته مباشرًا، أو أن يفوض شخصًا آخر لفترة معينة لتمثيله بشكل عام أو لمواضيع معينة. أمّنت هذه التجربة لقراصنة آيسلندا ثقة مناصريهم وقاعدة صلبة لنجاحهم بالانتخابات.

وفي حين تعثّرت تجارب القراصنة في السويد وألمانيا لغياب الخبرة السياسية، تميز القراصنة الآيسلنديون لأنهم استقطبوا اهتمام النائب في البرلمان بيرجيتّا جونسدوتّير، إذ كانت تمثل حزب حركة المواطنين سابقًا، لكنها قررت المشاركة بتأسيس حزب القراصنة في عام ٢٠١٢. وبالرغم من أن هيكلية الحزب أفقية، قامت جونسدوتّير بحكم خبرتها في النشاط السياسي بقيادة الحزب إلى ما هو عليه اليوم.

وإن كانت قصة النجاح هذه تدل على شيء، فهو أن تجربة القراصنة هنا لتبقى. سارع العديد بصرف النظر عن القراصنة بوصفهم بأنهم ”موضة“ عابرة، لكنهم أثبتوا أنهم ما زالوا موجودين بعد مرور عقد على نشوء تجربتهم التي طالت أكثر من تجارب بعض الدول مع الديموقراطية.

أما في منطقتنا العربية، تتواجد أحزاب القراصنة في ثلاث دول: لبنان والمغرب وتونس، ولكنه من المُستبعَد أن نلتمس مثل هذه التجارب قريبًا. مع ما نراه من صعوبة الانخراط في العمل السياسي وغياب الحريات العامة، هناك طريق طويل لتقطعه هذه التجربة في محيطنا.