رأينا: نرحب بقرار الأمم المتحدة بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي

unga
سلّط القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الحق في الخصوصية الضوءَ على جوانب عدة فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية من قبل الشركات والدول. ترحب الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح هذا القرار وتدعو أصحاب المصلحة في الأردن إلى العمل بمضامينه.

ترحّب الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين القرار بشأن الحق في الخصوصية في العصر الرقمي، وذلك بالإجماع وبرعاية ستين دولة.

على الرغم أن قرارات الجمعية العامة الصادرة بهذا الشكل ليست ملزمة على الدول الأعضاء، إلّا أن هذا القرار سيلعب دورًا مهمًّا في بناء توافق أممي حول الحق في الخصوصية وتبعاتها في العصر الرقمي، وسيكون له الفضل في تكوين أطر مبنية على الحقوق التي نصت عليها الصكوك الدولية الأساسية لحقوق الإنسان (الملزمة) مع تقديم تفسير لها.

في موضوع الخصوصية، قامت الجمعية العامة باعتماد ثلاث قرارات، كان آخرها هذا القرار الذي تناول عدة جوانب، كان أبرزها التركيز على دور القطاع الخاص في حماية الخصوصية في وقت أصبح من السهل جمع البيانات الشخصية وتداولها وتخزينها ومعالجتها بضخامة، وفي وقت أصبحت الرقابة وجمع المعلومات –سواء من الحكومات أو من القطاع الخاص– تشكّل خطرًا جسيمًا على خصوصية الأفراد حول العالم، خاصةً في المجتمعات الرقمية سريعة النمو مثل الأردن.

وفي وقت تجري فيه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات استشارةً عامة حول قانون مقترح لحماية البيانات الشخصية، يأتي هذا القرار الأممي ليؤكد على العديد من الجوانب التي تستدعي أخذها بعين الاعتبار من قبل حكومتنا في سياق أي تشريع ذي صلة بالخصوصية.

فقد أعربت الجمعية العامة عن قلقها من بيع البيانات الشخصية التابعة للأفراد من دون موافقتهم الصريحة على ذلك، وشددت على أن جَمع البيانات الشخصية بشكل غير قانوني وتعسفي يعتبر انتهاكًا للحق في الخصوصية، وطالبت من الدول احترام التزاماتها الدولية عند جمع أو اعتراض البيانات الشخصية، حتى عند طلب الإفصاح عن تلك المعلومات من أطراف ثالثة، ولو جُمعت هذه المعلومات تحت شواغل أمنية.

وأكد القرار أهمية تطوير التدابير الوقائية ووسائل الانتصاف المتعلقة بانتهاكات الحق في الخصوصية التي قد تقع على مختلف الأفراد، ولكنه شدّد –بشكل صريح– على تلك الحالات التي تؤثّر على النساء، بالإضافة إلى الأطفال وضعاف الحال والمهمَّشين. وفي نفس السياق، أكدت الجمعية العامة في هذا القرار على تشجيع التعليم واكتساب المعرفة الرقمية والمهارات التقنية اللازمة لحماية الخصوصية من قبل الناس جميعًا. وأهابت بالدول ألّا تلِزم الشركات بتدابير تمسّ حق الخصوصية تعسّفيًا.

وعلى صعيد الشركات أيضًا، أهابت الجمعية العامة بها الالتزام بمسؤوليتها تجاه حقوق الإنسان، وفقًا للمبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان –أو ما يُعرف بـ«الحماية، والاحترام، والانتصاف»– والتي تدعو في طياتها إلى احترام الحق في الخصوصية في العصر الرقمي من قبل الشركات، وأن تبلغ هذه الشركات مستخدميها بكل ما يمكن أن يمسّ حقهم في الخصوصية، وأن تتبع سياسات الشفافية كلّما أمكن ذلك. وشجع القرار الشركات على العمل من أجل اتصالات آمنة تحمي مستخدميها من التعسف والتدخل غير المشروع في بياناتهم، وإن تم ذلك من خلال حلول تقنية.

ونرحّب أيضا بتأكيد القرار على أهمية حريــة تلقي المعلومات وطلبها ونقلها للغير، بغية الوصول الحر إلى المعلومات وتحقيق المشاركة الديمقراطية. وبالرغم أن الأردن كان أول الدول العربية التي أقرت قانون ضمان حق الحصول على المعلومة، نرى أن المحددات والضوابط والعقوبات التي نص عليها القانون أفرغته من فعاليته، فكاد يشكل عائقًا أمام الوصول إلى المعلومة بدلًا من سند له.

نودّ أن نضم صوتنا لهذا القرار الذي دعا جميع الدول إلى تعديل قوانينها لتتماشى مع المعايير الدولية في هذا المجال، ونَحثُّ كل أصحاب المصلحة في الأردن على الأخذ بهذا القرار لحماية وصون الحق في الخصوصية ممارسةً وتنظيمًا وتشريعًا.

0 Words

رأينا – «كود الشعب»: الحكومة ملزمة بنشر البرمجيات مفتوحة المصدر

rect24680
قامت الحكومة الأميركية قبل أيام بإطلاق code.gov، وهو مستودع مفتوح المصدر للبرمجيات الحكومية للولايات المتحدة. كيف يمكن أن نجعل الحكومة الأردنية تخطو نفس الخطوة؟

”كود الشعب: إطلاق الطاقات الهائلة للبرمجيات الحكومية“، هكذا يرحّب موقع code.gov الإلكتروني زواره المبرمجين. إنه مَجمع البرمجيات مفتوحة المصدر التي أنشأتها مؤسسات الحكومة الفيدرالية، تظهر فيه المشاريع مصنفّة بلغة البرمجة وموصولة بمستودعاتها على Github

image24267

ليس غريبًا أن نرى الحكومة الأميركية تنشر البرمجيات بتراخيص حرة، فهي تفعل ذلك منذ عقود. ولكن ما يميّز هذا الموقع هو إطلاقه نتيجة تعليمات حكومية باسم «سياسة الكود المصدري الفيدرالي» وهي سياسة أطلقها البيت الأبيض في شهر تموز ٢٠١٦ لـ”تحقيق الكفاءة والشفافية والابتكار من خلال برمجيات المصدر المفتوح والبرمجيات القابلة لإعادة الاستخدام“. تؤكد هذه السياسة المسؤولية الحكومية تجاه مواطنيها في مجال البرمجيات، فحسب الوثيقة، ”تلتزم الحكومة في تحسين عمليات شراء البرمجيات وبنائها وتوزيعها، لجعل تكاليفها أكثر جدوىً، وأهدافها أكثر فعاليةً، ولارتقاء تجربة المواطنين مع البرامج الحكومية“.

ما تنصّ عليه السياسة أمورٌ بسيطةٌ ولكنها ثوريّة؛ فهي تُجبر المؤسسات الحكومية على أن تضع اعتبارات معينة قبل الحصول على برمجيات طُوّرت خصيصًا لها، وتضمن للحكومة الحق في إعادة استخدام هذه البرمجيات وتعديل الكود المصدري، وتشجّع المؤسسات الحكومية –عن طريق تعليمات ومصادر– على نشر هذه البرمجيات بمجملها وفق رخص مفتوحة المصدر.

لم تسبق أن قامت حكومةٌ ما بالدفع باتجاه المصدر المفتوح بهذا الشكل، ليس بالتركيز على استخدام البرمجيات الحرة فحسب بل بوضع تعليمات صارمة تستدعي نشرها وتطويرها من قبل مؤسسات الدولة. الناظر لهذه التعليمات يعلم أنها ليست وليدة اللحظة بل نتاج سياسات تبنتها الحكومة الأميركية منذ القِدم، فإذا أراد أحد أن يتفهم ما يكمن وراء موقع «الكود الحكومي» من ثقافة سياسية، لا بد أن يتتبع التسلسل التاريخي الذي أوصل إلى هذه النتائج التي اعتُبرت ”آخر الانتصارات المهمة لحركة المصدر المفتوح“.

فمنذ عام ١٩٧٦، يلزم قانون حقوق النسخ الأمريكي الحكومةَ بأن تزيل أي حماية لحقوق الملكية الفكرية من جميع الأعمال التي تنتجها عن طريق مؤسساتها وموظفيها، أي أنها تنشرها في النطاق العام. لم تقتصر الأعمال المقصودة هنا على الصور الفوتوغرافية الرسمية أو مقاطع الفيديو الترويجية التي كانت تنتجها الحكومة الأميركية، بل أصبحت البرمجيات جزءًا من هذه الأعمال المتاحة للعامة.

مع تتابع السنوات، ساعدت المؤسسات الحكومية الأميركية في التقدم التكنولوجي «المفتوح»، من شبكة الإنترنت إلى نظام SELinux، وتركت هذه المؤسسات آثارًا تُذكر في ميادين التكنولوجيا. إلا أن التحوّل إلى الحكومة الرقمية دفعت بالمزيد من هذه الإسهامات، وبشكل خاص بعد أن انتشرت مبادئ الحوكمة المفتوحة النابعة من فكر المصدر المفتوح. فأصبحت مبادئ الشفافية والنزاهة تقف جنبًا إلى جنب مع التكنولوجيا في أعمال وواجبات الحكومة. ولعل أبرز دليل على نُجوع هذه المبادئ هو «سياسة الكود المصدري الفيدرالي» هذه بالذات، والتي كانت التزامًا وضعته الولايات المتحدة على نفسها لعضويتها في «الشراكة الحكومية المفتوحة».

الأردن عضو كذلك في «الشراكة الحكومية المفتوحة»، وبدأت حكومتنا تهتم فعلًا باتباع بعض من سياسات الحَوكمة المفتوحة على نفسها، بدءًا من إطلاق مبادرة للبيانات الحكومية المفتوحة وصولاً إلى الالتزامات المتعلقة بالشفافية والوصول إلى المعلومة.

من الناحية التقنية البحتة، التزمت حكومتنا بالمزيد من الإنجاز في تنفيذ «الحكومة الإلكترونية»، ولكن على الحكومة الأردنية أن تُدرك بأن ليس عليها التزام تجاه مواطنيها من الناحية التكنولوجية فقط، بل من الناحية الاجتماعية للتكنولوجيا أيضًا. ماذا نقصد بذلك؟ على الحكومة أن توفر خدماتها بطريقة إلكترونية فعالة وأن ترتقي تقنيًا باستخدام آخر التقنيات المتوفرة عالميًا، ومما لا شك فيه أن الحكومة الأردنية تؤمن بذلك وتعمل صوبَ ذلك في الوقت الحالي، فهي تسعى جاهدة لتفعيل مشروع «الحكومة الإلكترونية»، فمثلاً، تبنّت الحكومة الحوسبة السحابية لتغطية احتياجات مؤسساتها وتعمل على إيجاد بنىً تحتية بالألياف الضوئية للتشبيك بين مختلف الدوائر.

مبادئ النزاهة والشفافية تجعل أيضًا –في نهاية المطاف– الحكومة أكثر انفتاحًا تكنولوجيًا. لأن للمواطن حقًّا في الانتفاع بالخدمات الإلكترونية كما له الحق في الانتفاع –دون قيود– بالبرمجيات التي تطورها أو تحصل عليها الحكومة من مخصصات الموازنة، وله الحق في الاطلاع على كيف صُرفت أمواله في البرمجة وما نتج عنها من برامج وكود مصدري. وللمواطن الحق أيضًا في مساءلة حكومته إذا ما زاد إنفاقها على برمجيات احتكارية بدلًا من بدائلها الحرة.

في الوقت الذي بدأت الحكومات تستوعب –كالشركات– أن المصدر المفتوح أفضل الطرق الممكنة لنشر البرمجيات، تقنيًا واجتماعيًا، هناك فرصة بأن تتبع الحكومة الأردنية ذات الأسلوب.

فالوقت الآن مناسب أكثر من أي وقت مضى لنبدأ تحوّلاً حكوميًّا جادًّا نحو المصدر المفتوح، مبنيًا على المبادئ السابق ذكرها والتي عملت جمعيتنا –منذ تأسيسها قبل خمس سنوات– على تشجيعها والبوح بها من على مختلف المنابر. إلا أن إصدار «سياسة للكود الحكومي» واعتماد تعليمات للمصدر المفتوح على مستوى الدولة لما فيها من منافع، تتطلب جهودًا مشتركة تبدأ من مجتمعنا المفتوح المصدر وصولًا إلى أعرض شريحة من المواطنين، فالمصدر المفتوح –برأينا– مسألة للأردنيين أجمعين.

6 Words