بقلم

تطبيقات تتبع المخالطين ليست أداة فاعلة في وجه الجائحة

على الرغم أن العديد من الآمال بُنيت على تطبيقات تتبّع مخالطي مرضى «كورونا»، إلا أنّ ما وُجد فيها من فعالية ما زال قليلًا. يعرض قصي صوان في هذا المقال بعض الجوانب المتعلقة بجدوى هذه التطبيقات، ويتساءل عن التشجيع المتكرر والدعوات المستمرة لاستخدامها في ظل عدم ثبات الفائدة منها.

سارعت الحكومة مع مجموعة من حكومات الدول الأخرى باعتماد تطبيقات تتبّع المخالطين لإعانة فرق التقصي الوبائي على تحديد سلاسل العدوى لفيروس «كورونا» المستجد. وهناك فروقات بسيطة بتصميم هذه التطبيقات، ولكنها تشترك بمبدأ العمل؛ اذ تعتمد على «البلوتوث» أو موقع الـ«GPS» لتحديد إذا ما التقى شخص مصاب بآخرين خلال فترة العدوى وبناء عليه تُخبر الأشخاص أو السلطات المعنية لإجراء الفحوصات اللازمة لهم. على الرغم من جاذبية الفكرة، إلا أن فائدتها في الواقع محدودة جدًّا ولذلك هي في الغالب لن تسمن أو تغني من جوع، بل قد تؤدّي إلى نتائج سلبية ربما تفوق الفائدة المرجوة منها. فهل تستحق هذه الفكرة أن تعاملها الحكومة كجزء أساسي من الحل في هذه الظروف؟

دعت الحكومة الأردنية بشكل مستمر المواطنين لاستخدام تطبيق «أمان»، وهو عمل تطوعي نقدّر الجهد المبذول من القائمين عليه. ولكن لا بد من التوقف لحظة لتقييم الفائدة المرجوة من هذا التطبيق، ولتحقيق ذلك، سنسلّط الضوء على جانبين منه. أولاً، خاصية تحديد وحفظ الزمان والمكان للمستخدم ولمدة 14 يومًا مع إمكانية تسليم هذه المعلومات للمختصين عند التشخيص بالمرض. وهذا الجانب يبدو مفيداً في حال استعمال هذه المعلومات لمساعدة المريض —بعد تشخيصه— على تذكّر الأماكن التي زارها خلال فترة العدوى وتحديد المخالطين له إذا نسي ذلك. فقد يُعين ذلك فرق التقصي الوبائي على عملهم ويحسن نوعية النتائج، ولكن بشكل محدود.

أما الجانب الآخر الذي يعِد به التطبيق، فهو تحديد شبكات أو سلاسل المخالطين تلقائيًا وإخبارهم بإمكانية إصابتهم بالمرض، وهذا تقنيًا وعمليًا يبدو أقرب للخيال من الواقع لأن التكنولوجيا المستخدمة لا تستطيع تحقيق الهدف المراد بدقة كافية. فحسب منظمة الصحة العالمية، ينتشر المرض إما مباشرة من شخص لآخر من خلال انتقال الرذاذ عبر السعال أو العطاس أو التحدث عن قرب، أو بشكل غير مباشر عن طريق لمس أسطح ملوثة وبعدها لمس العينين أو الأنف أو الفم. فكانت التوصيتان الأكثر فاعليةً وتكرارًا هما التباعد الاجتماعي (مسافة مترين) والتعقيم المستمر للأيدي. فإذا افترضنا القرب كمعيار وحيد لتقييم خطر العدوى —وهو افتراض تطبيقات التتبّع— فيجب دراسة هذا المعيار ونسبة خطأه.

بدايةً، لا بد من تذكر أن ليس كل من يقترب من شخص مريض يصاب بالضرورة؛ فانتقال الرذاذ شرط ضروري للعدوى المباشرة، والأرجح أن احتمالية العدوى محدودة عند الاقتراب من مريض لعدة ثوانٍ فقط، لأن فرصة انتقال الرذاذ ضئيلة. وما يزيد الأمر سوءًا أن استخدام الـ«GPS»(خصوصًا تحت الأسقف) أو «البلوتوث» له نطاق خطأ أكبر بعدة أضعاف من المسافة التي تسمح بانتقال المرض، وذلك —بالإضافة لما سبق— سيشوّه النتائج إلى حد كبير ويفقدها مصداقيتها. ويجب ألا ننسى أن هذه التطبيقات تهمل تمامًا عامل ملامسة الأسطح على أهميته، لافتقارها القدرة على تحديد الأسطح الملوثة بأي شكل من الأشكال. وبالتالي فإن فرضية انتقال المرض المطروحة من قبل التطبيق هي عرضة للنتائج الايجابية الكاذبة والسلبية الكاذبة بنسبة كبيرة جدًا وبشكل يفقدنا الثقة بالحكم التلقائي للتطبيق. فلو —لا سمح الله— انتشر الفيروس، لا أعتقد أن فرق التقصي الوبائي ستفحص أحدًا بسبب نتيجة التطبيق وحدها أو ستستثني أحدًا لأن التطبيق لم يدلّنا عليه!

ولكن قد نسأل أنفسنا هنا: لِم لا؟ أليست ”زيادة الخير خيرين“؟ فهنا يجب أن ننظر إلى الآثار السلبية المحتملة من استخدام التطبيق ونحللها. وأول هذه الآثار، وكنتيجة لعدم دقة تشخيص المخالطة، أن المستخدم قد يشعر بالذعر عندما يشير له التطبيق بالخطر ويؤثر ذلك على حياته اليومية وعمله دون أي مبرر منطقي. كذلك قد يشعر المستخدمون الذين لم يشر لهم بالخطر بشعور كاذب بالأمان، فتميع النصائح الأهم كالتباعد الاجتماعي وتعقيم الأيدي، مما يعرضهم بالنهاية لدرجة أعلى من الخطر. ولا يمكن أن نغفل أيضًا خطر الاستغلال السلبي لبيانات المواطنين الحساسة، خصوصًا أن ضمانات أمن المعلومات والخصوصية المطروحة حاليًا في«أمان» لا تبدو كافية أو مرضية.

وأشدد في هذا الصدد أنني لا أرى عيبًا بوجود تطبيق «أمان» بحد ذاته كجهد تطوعي مستقل، بل أستغرب فقط من دعوة الحكومة المتكررة لاستخدام التطبيق وكأنه جزء محوري من الحل، بغض النظر عن التحليل التقني والتجارب العالمية اللذين ينبئاننا بغير ذلك. فبالإضافة لكل ما سبق، تُرينا مقارنة بسيطة مع الدول الأخرى عدم إمكانية الوصول إلى نسبة استخدام مرضية لتطبيقات التتبّع حتى لو تجاوزت كل تحدياتها الأخرى. فلماذا نشتّت المواطن بها بدل أن نوجّهه لحلول أنجع؟