بقلم

إدارة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي: قرارات تمس حرية التعبير دون ضمانات ديمقراطية

هل أصبحت لوسائل التواصل الاجتماعي سلطة مطلقة في تحديد ما يمكن أن يُقال أم لا؟ كيف تؤثر القرارات الصادرة عن هذه الشركات على ما ينشره رؤساء دول في حق الشعوب في المعرفة؟ في هذا المقال، يرى قصي صوان أن القرارات التي باتت كل من فيسبوك وتويتر تأخذها أمست تهديدًا لحرية التعبير دون ضمانات ديمقراطية.

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تشكل المساحة الأكبر لتداول الآراء والأفكار في هذه الأيام، لا سيما تلك التي تخص الأفراد وتعبر بمجملها عن رأيهم العام. وبينما يخشى البعض من السلطة المفرطة للقائمين على هذه الوسائل، يستنكر آخرون عدم قيامهم بما يكفي لإدارة المحتوى، متهمينهم بالتساهل مع محتوى يشتمل على خطاب كراهية أو تفرقة أو أخبار كاذبة بهدف زيادة الأرباح. ويمثل الرأي الأخير قاعدة حملة مقاطعة الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل عدة شركات عالمية ككوكا كولا ويونيلفر وغيرها، الهادفة لتضييق الخناق على المحتوى السلبي على هذه الوسائل. ومن اللافت للانتباه أن النقاش عن كيفية تعامل وسائل التواصل الاجتماعي مع إدارة المحتوى يدور بصوت مرتفع، بينما تخفت الأصوات المشككة بصحة امتلاكها مثل هذه السلطة أساسًا.

تمتلك وسائل التواصل الاجتماعي إمكانيات غير مسبوقة في التاريخ البشري كونها تعتمد على تكنولوجيا لم تكن متاحة من قبل. ففيسبوك مثلاً يمتلك بيانات مفصلة تغطي على الأقل قاعدة مستخدميه النشطين الذين يتجاوز عددهم 2 مليار مستخدم؛ فيجمع ويحتفظ ويحلل كمًّا هائلاً من بياناتهم وسلوكياتهم وميولهم وأفكارهم ومعتقداتهم. وذلك يعطي فيسبوك قدرة تأثير وسلطة من نوع غير معهود، فيؤثر على الانتخابات في دول، ويمكّن ثورات شعبية في أخرى، ويتحدى استبداد بعض الأنظمة ويمثل الفضاء الوحيد للتعبير عن الرأي في ظلها أحيانًا. وتستطيع هذه الشركة –تقنيًا على الأقل– الترويج لأفكار معينة، وإبطاء انتشار أخرى وإظهار محتوى مخصص للفرد حسب ملفه وبياناته وبشكل يصعب تتبعه وإثباته، على غرار فضيحة «كامبردج انلاتيكا» التي أثرت على نتيجة الانتخابات الأمريكية الأخيرة . كل هذه الإمكانيات تتوفر بين يدي شركة خاصة تسعى للربح بالدرجة الأولى ولا تمثل بالضرورة مصلحة مستخدميها دائمًا.

وبينما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة كبيرة وشبه لحظية للتعبير عن النفس والرأي والمشاعر وتبادلها مع الآخرين، يتخلل بعض المنشورات محتوى سلبي يشتمل على كراهية أو تحريض أو معلومات كاذبة أو غيرها من أنواع الخطاب الضارة بالمجتمع. ومما لا شك فيه أن بعض المنشورات قد تشكل خطرًا ماديًا ملموسًا في المجتمع، كتلك الداعية والمحرّضة على الإرهاب، ولكن في كثير من الأحيان، يكون الخطاب في منطقة رمادية قد نختلف بالحكم عليها، وهنا تصبح الأمور أكثر تعقيدًا. قام فيسبوك مثلاً بحذف ادعاء الرئيس البرازيلي المتعلق بوجود علاج ”مثبت“ لكورونا قبل فترة لأنها خاطئة ”بشكل بديهي“ على حد قولهم. ولعل إبقاء ادعاء كهذا يشكل خطرًا ما على المجتمع، ولكن حذفه يحرّم بعض البرازيليين من معرفة ما يؤمن به رئيسهم، وإن كان ذلك من الخرافات. فعلى أي أساس يُتخّذ مثل هذا القرار؟

تقوم فرق وسائل التواصل حاليًا بوضع سياسات ومعايير وضوابط للمحتوى حسبما ترتأي، ومن ثم تراجع وتحكم على المحتوى المنشور بناءً عليها، وبعدها تأخذ اجراءات محددة كالحذف أو الإخفاء أو وضع العلامات التحذيرية أو غيرها من الإجراءات. وقد يعتبر البعض وظائف هذه العملية شبيهة بالسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في الدول، لكن دون فصل حقيقي للسلطات، ودون وجود منظومة مسائلة ومكاشفة خارج مظلة الشركة المعنية. ومع أن هذه العملية كما هي قد تكون مرضية أو كافية في حالات معينة، بيد أن وسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية قليلة العدد وتنتهج سياسات احتكارية في كثير من الأحيان، مما يجعل سياساتها الداخلية تأثر على المجتمعات وتمس حرية التعبير عن الرأي بشكل عام، ولذلك يصعب النظر إليها كمجرد شركات مستقلة تفعل ما تقضيه مصالحها بالدرجة الأولى.

ومع أن وسائل التواصل الاجتماعي تحاول قدر الإمكان اعتماد وتطبيق أعلى المعايير العالمية بالنسبة لسياسات المحتوى، وذلك ضروري لتجنب تنظيم يحد من قدراتها ووظائفها على المدى القريب، إلا أن سلطتها بعيدة عن مفهوم الديموقراطية حيث أنها غير مستمدة من إرادة الناس أو ممثلة لها، وتحاول أن تتبع نموذج الدكتاتور العادل في أحسن الأحوال. فالسلطة التي تختار إبقاء أو إخفاء تغريدة ترمب مثلاً والتي تحدّد معاييرَ لذلك هي تمثل ما يريده تويتر وليس الشعب الأمريكي ولا الإرادة الجمعية لسكان العالم، وبالطبع لا تخضع إلى أنظمة الحوكمة الأمريكية الضامنة –إلى حد ما– لعدم استغلال السلطة. وإذا كان الرئيس الأمريكي نفسه يتأثر بسلطة تويتر، فلا شك أن كل مستخدم آخر يتأثر بهذه السلطة ”الديكتاتورية“. وأشدد في هذا السياق أن الديكتاتورية لا تعني الاستبداد بالضرورة، لكنها –مهما كانت جيدة– مآلها الاستبداد في نهاية المطاف. فهل يعقل أن نرغب ونطالب بأنظمة ديمقراطية تحكم حقوقنا وواجباتنا بكل شيء تقريبًا، ونترك حرية الرأي تحت تصرف جهات معينة لا تمثل إلا لنفسها؟

ورغم إقرار فيسبوك أنها ”يجب ألا تتخذ كثيرًا من القررات التي تتعلق بالتعبير والأمن الرقمي“ ومحاولتها نقل جزء من سلطاتها إلى مجلس رقابة يتمتع بدرجة من الاستقلالية، إلا أن سلطة فيسبوك ما زالت مركّزة بشكل كبير وغير ممثّلة للناس أو المستخدمين، وهناك شكوك كثيرة في فاعلية وأهداف هذه الخطوة من المتابِعين. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن تصميم حل يتجاوز المشاكل المطروحة ليس بالسهولة بمكان، لكن الجلي اليوم أن إدارة البيانات على وسائل التواصل تهدّد حرية التعبير عن الرأي بدرجةٍ ما، و أعتقد أن هذا الحق الأساسي يجب ألا يُقيَّد إلا من خلال سلطة تستمد شرعيتها من الناس وتمثل رأيهم وتضمن قدرتهم على تغييرها وقتما أرادوا. فلا بد من البدء بدراسة نماذج لإعادة صياغة الأنظمة القائمة حاليًا بطريقة أخرى.