بقلم

جوابًا على من يقول: ”ليس لدي ما أخفيه“

الحق في الخصوصية هو حق للجميع، إلا أن كثيرًا ما يتردد البعض عن الدفاع عن هذا الحق بحجة أنه لا يوجد شي عندهم يستدعي الحفاظ عليه من الاختراق. في هذا المقال، تردّ رايه شاربين من الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح على هذا الطرح.

في كل مرة يراني فيها شخص أغطّي كاميرا جهاز الحاسوب الخاص بي بملصق، أو كلما شجعت شخصًا ما على استخدام تطبيق «سيغنال» بدلاً من «واتساب»، أو تقديم أي نصيحة بشأن الخصوصية الرقمية، أحصل على نفس الردّ: ”طيب؟ ما في اشي أخفيه“.

قبل أن نكمل، أود أن أقول إن هذه التدوينة لا توفي هذا الموضوع حقّه. هذا موضوع يُدرّس كمادة جامعية. نوقش هذا الموضوع باستفاضة في العديد من الكتب التي يمكنك قراءتها — سأقترح كتابين في الوقت الحالي: «سجلّ دائم» لإدوارد سنودن و«المراقبة والمعاقبة» لميشيل فوكو.

ولكن، للرد على هذا الطرح سنجري اختبارين:

الاختبار الأول: شارك معي كلمات المرور الخاصة بك

إذا لم يكن لديك ما تخفيه على الإطلاق وكنت واثقًا من ذلك، أود أن أطلب منك أن ترسل لي اسم المستخدم وكلمة المرور لجميع حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي الآن. امنحني حرية تصفح رسائلك الخاصة وسجل البحث والصور الخاصة وما إلى ذلك. وسأنشر أيضًا النتائج في كل مكان ليراها الجميع. هيا، بريدي الإلكتروني هو rayaatjordanopensource.org. سأكون بالانتظار.

هل ترددت؟ لنكمل.

الاختبار الثاني: أبقِ باب المنزل مفتوحاً

في معظم أنحاء العالم، تحتوي جميع المنازل —وغرف النوم والحمامات— على أبواب. فكر في حقك في الخصوصية باعتباره القدرة على إغلاق باب المنزل. في حين يمكن لمعظمنا تخمين ما يفعله الأشخاص داخل هذه الغرف، سأفترض أن معظمنا يفضل أيضًا عدم وجود أشخاص آخرين، حتى لو كانوا من أقرب أصدقائنا أو من أفراد عائلتنا، يراقبون حياتنا الشخصية خلف هذه الأبواب.

إذا ترددت في إرسال أسم المستخدم وكلمات المرور الخاصة بك إلي، وإذا كنت تعتقد أن من حقك إغلاق الباب، فالرجاء متابعة القراءة.

الخصوصية ليست مفهومًا غريبًا على ثقافتنا!

من الواضح أن المصادر العربية التي تقدم طرحًا لدعم حق الخصوصية في العصر الرقمي نادرة. ”الخصوصية مفهوم غربي“ هي حجة الناس المفضلة بالإضافة إلى ”ليس لدي ما أخفيه“. إنّ الاندفاع إلى الكسل مثير للاستياء. بنفس الطريقة التي تعترف بها معظم الثقافات بقدرة الأفراد على حجب المعلومات الشخصية وإغلاق الأبواب، فإنّ الخصوصية عبر الإنترنت أمرٌ يجب الاعتراف به ايضًا عبر الثقافات. لقد تجاوزت التكنولوجيا الحدود كما نعرفها؛ فالأسطر البرمجية التي تشغل فيديو على YouTube هي نفسها عبر الدول، سواء تم فتح الفيديو من قبل مستخدم في جنوب إفريقيا أو مستخدم في الأردن. فبينما التكنولوجيا هي ذاتها عبر الأمم القارات إلا أن السند القانوني والتشريعي الذي يحمي الحقوق عبر الإنترنت مختلف ومتنوع.

ليس هناك ما تخفيه طالما أنك توافق تمامًا مع الرواية الرسمية

كم مرة أردت التعبير عن رأي من خلال الكتابة سواء كان عبر تطبيق واتساب أو وسائل التواصل الإجتماعي؟ سواء أكان رأيا حول ملابس ابن عمك في حفل زفاف شقيقتك أو رأيا حول أحدث القرارات الحكومية، وأوقفت نفسك لأنك شعرت بأنك تحت المراقبة. الرقابة الذاتية منتشرة في الأردن. كشفت دراسة في عام 2018 أن أكثر من 90٪ من الصحفيين يمارسون الرقابة الذاتية خوفًا من الاعتقال. حرية التعبير والحق في الخصوصية يسيران جنبًا إلى جنب. قال سنودن، بشكل مؤثر للغاية، ”إن الجدل بأنك لا تهتم بالحق في الخصوصية لأنه ليس لديك ما تخفيه لا يختلف عن القول أنك لا تهتم بحرية التعبير لأنه ليس لديك ما تقوله“.

يمكن استغلال ما تقوله، مهما كان تافهًا، لإيذائك وتجريمك والتمييز ضدك. بل في كثير من الأحيان، بياناتك لوحدها تصفك وهي تكفي لمعرفة كل شيء عنك. على سبيل المثال، نشاطك عبر الإنترنت يعلمنا بموعد استيقاظك وموعد نومك، وتخبرنا المعاملات في حسابك المصرفي أين كنت وكم راتبك، وما إلى ذلك.

الخوف على خصوصيتك ليس من الحكومات فقط، ولكن أيضًا من الشركات، وأفراد العائلة والأصدقاء والغرباء… والتطبيقات أيضًا

بالإضافة إلى الحكومات، قد تتعرض خصوصيتك للاعتداء من قبل أفراد العائلة والأصدقاء والغرباء. هم لا يحتاجون إلى معرفة كيفية اختراق هاتفك، بل يمكنهم العثور على طرق اختراق خصوصيتك من خلال التتبع أو من خلال وسائل أخرى.

إذا افترضت أنه لا يوجد شيء لتخفيه، فكيف تشرح الآلية التي تتبعها شركات مثل تويتر وفيسبوك لتصنع مليارات من ”لا شيء“. تعتمد أرباحهم على الإعلانات وهذه الإعلانات تتولد عن طريق بياناتك الشخصية. ومن خلال بياناتك الشخصية التي تحصل عليها هذه الشركات، تتمكن من استهدافك بإعلانات أكثر دقة.

في العصر الرقمي يُتخذ الكثير من القرارات بواسطة برامج حاسوب تسمى الخوارزميات. مثل توصيات يوتيوب وتنظيم المحتوى على فيسبوك والإعلانات التي تشاهدها، وكذلك قرار إعطائك قرضًا بنكيًا. وهذه القرارات الآلية في كل مكان. الخصوصية في ظل هذه الخوارزميات ليست مضمونة، لذلك يجب على القانون أن يضمن حق الاعتراض على المعالجة والقرارات الآلية.

هواتفنا الذكية هي أجهزة تتبع، لكننا أصبحنا ببساطة معتادين على هذه الحقيقة. الحق في الخصوصية هو حق أساسي، يدعم حقوقًا أخرى مثل حق التعبير عن الرأي. لأولئك الذين يقولون ”لا يوجد مكان للاختباء“ ، هناك شيئان يمكنك القيام بهما: أولاً، المطالبة بقوانين خصوصية أفضل وتنفيذها بشكل فعال، وآخراً الترويج لاستخدام تقنيات تحافظ على الخصوصية.